في موقف سياسي لافت يعكس تمسك الدولة اللبنانية بإدارة ملفها التفاوضي بعيداً عن أي ترتيبات إقليمية أوسع، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الأربعاء، على أن مسار التفاوض مع إسرائيل «مستقل» تماماً عن التفاهم الذي أعلنت واشنطن وطهران التوصل إليه لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التصريح في ظل تطورات متسارعة تشهدها المنطقة، ووسط حديث عن اتفاق دولي مرتقب قد ينعكس على جبهات عدة، بينها الجبهة اللبنانية.
تأكيد رسمي على استقلال القرار اللبناني
نقلت الرئاسة اللبنانية عن الرئيس عون تأكيده أن بيروت متمسكة بمسار تفاوضي خاص بها، بعيداً عن أي تفاهمات إقليمية أو دولية لا تمر عبر الدولة اللبنانية.
وقال عون إن «التأكيدات التي بلغتنا وما نصرّ عليه هو أن لبنان مساره مستقل في المفاوضات، وإن كنا بالتأكيد مع وقف إطلاق النار ومع أي دولة تساعدنا، ومن ضمنها إيران».
ويعكس هذا التصريح محاولة واضحة لإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في أي مسار تفاوضي يتعلق بالأمن والسيادة، خصوصاً في ظل تعدد الأطراف المنخرطة في المشهد الإقليمي.
الدولة اللبنانية سيدة قرارها
وفي لهجة سياسية حازمة، شدد الرئيس اللبناني على أن الدولة اللبنانية باتت للمرة الأولى الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض، دون أي وسطاء غير رسميين.
وقال عون: «الدولة اللبنانية سيدة قرارها، ولأول مرة هي التي تقوم بالتفاوض وما من أحد يفاوض عنها»، في إشارة إلى رفض أي مسارات موازية أو تدخلات خارج الإطار الرسمي.
وأضاف أن اللبنانيين «مطمئنون لأن لا أحد يربطنا بأي دولة أخرى، وأي تسوية ستتم من خلالنا لا على حسابنا»، في تأكيد مباشر على رفض تحميل لبنان نتائج تفاهمات خارج إرادته.
خلفية التصعيد العسكري في الجنوب
وتأتي هذه التصريحات في سياق تصعيد عسكري مستمر منذ أشهر، إذ شنت إسرائيل حرباً على لبنان منذ الثاني من مارس الماضي، بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على شمال إسرائيل، أعقبها دخول القوات الإسرائيلية إلى عدد من البلدات في جنوب لبنان.
وشهدت المنطقة الجنوبية سلسلة من الغارات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مواقع متفرقة، وسط استمرار التوتر على الحدود وتبادل القصف بين الجانبين.
ورغم الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل الماضي، إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلاً، حيث تم تمديده في 23 أبريل لمدة ثلاثة أسابيع، قبل أن يُمدد مجدداً في 15 مايو لمدة 45 يوماً إضافية.
إلا أن التطورات الميدانية بقيت متقلبة، مع استمرار الخروقات والتوترات المحدودة، ما أبقى الوضع الأمني في الجنوب اللبناني هشاً وغير مستقر.
تفاهم أميركي – إيراني يغيّر المشهد الإقليمي
في سياق موازٍ، أُعلن ليل الأحد الماضي عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات في الشرق الأوسط، بما فيها الجبهة اللبنانية.
وينص الاتفاق على إقامة حفل توقيع رسمي في سويسرا يوم الجمعة المقبل، في خطوة يُتوقع أن تعيد رسم خريطة التهدئة الإقليمية إذا ما دخلت حيز التنفيذ الفعلي.
وعقب الإعلان، سُجل انخفاض نسبي في وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ما اعتبره مراقبون مؤشراً أولياً على انعكاس التفاهمات الدولية على الأرض.
التهدئة الإقليمية والقرار السيادي
وبين مسار دولي واسع تقوده واشنطن وطهران، ومسار داخلي يؤكد سيادة القرار اللبناني، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة من إعادة التموضع السياسي والأمني.
ويحاول الرئيس جوزيف عون، من خلال تصريحاته الأخيرة، رسم حدود واضحة بين ما يُدار على المستوى الإقليمي، وما تعتبره بيروت شأناً سيادياً لا يخضع لأي ترتيبات خارجية.
وفي ظل استمرار التوتر في الجنوب، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة لبنان على تثبيت مسار تفاوضي مستقل فعلياً، بعيداً عن تأثيرات الصراع الإقليمي المتشابك.




