أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أن بلاده ترفض رفضًا قاطعًا أي محاولة لتقسيم قطاع غزة أو تهجير سكانه، معتبرًا أن الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية يشكّل ركيزة أساسية لأي حل عادل ودائم وشامل في المنطقة. وجاءت تصريحات عبد العاطي خلال مقابلة مع صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية، في إطار جهود القاهرة لتثبيت اتفاق شرم الشيخ وتنفيذ كامل بنوده، والتي تهدف إلى إحلال السلام في القطاع بعد أشهر من الصراع الدموي.
وتناول الوزير المصري في حواره تفاصيل “الترتيبات الأمنية والمرحلة الانتقالية وأهمية تمكين السلطة الفلسطينية” في غزة، مؤكدًا على أن حل الدولتين لا يزال الخيار الواقعي الوحيد لتحقيق السلام الدائم، في مواجهة محاولات بعض الأطراف لتقويض هذا المسار.
تقسيم غزة بين “القديم” و”الجديد”: تصورات إسرائيلية مثيرة للجدل
تزامنت تصريحات القاهرة مع تقارير عبرية تتحدث عن مخططات لتقسيم غزة إلى منطقتين. ونقلت صحيفة “هآرتس” الجمعة عن مصادر عسكرية إسرائيلية، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وافق على خطة أمريكية لخلق “غزة الجديدة” و”غزة القديمة”. وتبرز الفروقات بين المنطقتين في أن “غزة الجديدة” ستشمل مناطق إعادة الإعمار للمباني المدمرة خلال الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لشهور، بينما “غزة القديمة” ستبقى خارج نطاق إعادة الإعمار.
وفق الخطة المزعومة، ستخضع “غزة الجديدة” لإشراف الجيش الإسرائيلي خلال المرحلة الأولى، شرق “الخط الأصفر” الذي حدده اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2023، قبل أن تنتقل إدارة المنطقة لاحقًا إلى قوة استقرار دولية، فيما ستبقى “غزة القديمة” تحت رقابة محلية، مع مخاطر نقل السكان من المنطقة القديمة إلى الجديدة وفق ترتيبات لم تُنفذ بعد.
الواقع الميداني والإنساني في غزة
دمرت العمليات الإسرائيلية نحو 90% من البنى التحتية المدنية للقطاع، بخسائر تقدّر بحوالي 70 مليار دولار، وفق بيانات الأمم المتحدة. وأسفرت الإبادة عن أكثر من 69 ألف شهيد فلسطيني و170 ألف مصاب، معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى انهيار المؤسسات الخدمية وتوقفها عن العمل بسبب الحصار الشامل والضربات المستمرة. ويُعد اتفاق وقف النار الحالي خطوة حاسمة لوقف المجازر المباشرة، لكنه لم يُعالج حتى الآن الأزمة الإنسانية والاحتياجات الطارئة للسكان.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
تُبرز الخطط المزعومة لتقسيم غزة تحديًا سياسيًا كبيرًا للقاهرة، التي تلعب دور الوسيط الإقليمي بين الفلسطينيين وإسرائيل، وتسعى لضمان استقرار القطاع وتمكين السلطة الفلسطينية دون المساس بوحدة الأراضي. وتوضح تصريحات وزير الخارجية المصري أن مصر تعتبر أي محاولة لتقسيم القطاع أو تهجير السكان خطوة خطيرة قد تقوض جهود السلام وتهدد بالتصعيد مجددًا.
كما تعكس الخطط الإسرائيلية المزعومة ضبابية في الاستراتيجيات الأمريكية المستقبلية في غزة، وفق ما أوردته “هآرتس”، إذ يبدو أن الحكومة الإسرائيلية أبدت موافقة على ترتيبات سرية دون مشاركة المستوى الأمني، ما يزيد من القلق بشأن مصير السكان الفلسطينيين وقدرة السلطة على الحفاظ على إدارة القطاع.
خطر تقويض السلام ومخاطر التهجير
تجربة إعادة الإعمار المحتملة، ونقل السكان بين “غزة القديمة” و”غزة الجديدة”، تفتح الباب أمام توترات جديدة، ليس فقط على صعيد الأمن الداخلي، بل أيضًا على المستوى الإقليمي، في ظل حساسية الملف الفلسطيني بالنسبة لمصر والدول العربية المجاورة. وتشير التحليلات إلى أن أي محاولة لتقسيم القطاع ستزيد من تعقيد جهود استقرار المنطقة، وتضع القوى الإقليمية والدولية أمام مسؤولية كبرى لضمان عدم تكرار مأساة إنسانية بحجم أكبر.
تقسيم غزة: تهديد للسكان وتحديات إنسانية جسيمة
إلى جانب البعد السياسي، يحمل أي تقسيم محتمل للقطاع مخاطر مباشرة على حياة السكان الفلسطينيين وعلى بنيتهم المجتمعية. ففرض “غزة الجديدة” و”غزة القديمة” قد يؤدي إلى عمليات نقل قسري للسكان، الأمر الذي سيضاعف الأعباء الإنسانية في منطقة انهارت فيها البنى التحتية الأساسية تقريبًا. عشرات آلاف الأسر قد تضطر إلى الانتقال إلى مناطق جزئية أعيد إعمارها جزئيًا، وسط نقص المساكن والخدمات الصحية والمياه الصالحة للشرب، ما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض وتفاقم الأوضاع الصحية.
كما أن النزوح الداخلي أو إعادة توزيع السكان لن يؤثر فقط على البنية التحتية المادية، بل على النسيج الاجتماعي للقطاع، حيث ستختلط الأسر التي فقدت منازلها مع أخرى نجت من الدمار، في بيئة يزداد فيها التوتر النفسي، ويصعب السيطرة على الاحتكاكات المجتمعية. وتشير تقديرات خبراء الإغاثة إلى أن أي تحرك قسري للسكان قد يفاقم الأزمة الغذائية والاعتماد على المساعدات الدولية، ويزيد الضغط على الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لتأمين خدمات عاجلة في مناطق محدودة، ما يجعل التنفيذ العملي لأي خطة تقسيم معقدًا للغاية.
من الناحية النفسية، فإن ترحيل السكان أو إجبارهم على التكيف مع واقع جغرافي جديد يزيد من حالة الصدمة الجماعية الناتجة عن الصراع المستمر، ويضعف القدرة على إعادة بناء الثقة في المؤسسات المحلية والدولية على حد سواء. ويُتوقع أن أي قرار يطال السكان مباشرة سيكون له أثر طويل المدى على الاستقرار الاجتماعي، ويزيد احتمالية اندلاع احتجاجات أو نزاعات داخلية جديدة، تعقد جهود المصالحة وتمكين السلطة الفلسطينية في القطاع.






