الأوضاع التي تواجهها الطواقم الطبية في قطاع غزة تكشف عن مشهد إنساني كارثي يتجاوز حدود الحصار العسكري إلى مستوى يهدد الحياة اليومية بشكل مباشر. فالمستشفيات، التي تعد خط الدفاع الأخير أمام الموت، تعمل بإمكانات شحيحة لا تسمح بتقديم الرعاية اللازمة لآلاف الجرحى والمرضى. تصريحات الأطباء من داخل غزة توضح حجم المأساة: أجهزة قديمة غير قادرة على إيقاف النزيف، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب أزمة حقيقية في وحدات الدم، ما يجعل إنقاذ المصابين مهمة شبه مستحيلة.
نقص المعدات الطبية
الدكتور نبيل نبهان، طبيب التخدير والعناية المركزة بمستشفى السرايا الميداني، وصف الوضع بعبارات مؤلمة، مؤكداً أن الطواقم الطبية تعمل في ظروف بالغة القسوة وسط نقص الأجهزة، وأن الحاجة أصبحت ملحة لوصول معدات متطورة لإنقاذ الأرواح. وأضاف أن الطواقم نفسها تعاني من غياب الغذاء، إذ يقضون ساعات طويلة في مواجهة تدفق الإصابات دون أي مقومات أساسية، ما يعكس تدهور الوضع الإنساني حتى في صفوف من يُفترض أنهم خط النجاة.
أما الدكتور محمد أبو علي، مدير مختبر المستشفى الميداني التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، فقد كشف عن أزمة إضافية تتمثل في نقص أكياس الدم نتيجة المجاعة المنتشرة في القطاع. وأوضح أن نقص التغذية الحاد أدى إلى انخفاض معدلات “الهيموجلوبين” لدى المواطنين، ما قلّص فرص التبرع بالدم بشكل كبير، وبالتالي أصبح العجز في توفير وحدات الدم يهدد حياة المصابين يومياً.
الأرقام التي طرحها أبو علي تعكس حجم الكارثة: أكثر من ثلث سكان غزة يعيشون أياماً بلا طعام، فيما يقف ربع هذا العدد على حافة المجاعة. والأطفال، كما هي العادة في مثل هذه الأزمات، لم يُستثنوا؛ إذ يعاني 16.5% من الأطفال دون الخامسة من سوء التغذية، وهي نسبة تتضاعف شهرياً في ظل غياب تدخل دولي فاعل.
حلقة موت مغلقة
هذا الوضع لا يهدد فقط حياة المرضى داخل المستشفيات، بل يضاعف من الضغط النفسي والجسدي على الطواقم الطبية التي تواجه أعباءً تفوق طاقتها. إن استمرار الأزمة بهذا الشكل يعني أن آلاف المرضى، من بينهم الجرحى والمصابين بأمراض مزمنة، سيظلون عرضة للموت البطيء بسبب غياب العلاج والدواء والغذاء في آن واحد.
تداخل أزمة الحصار مع النقص الحاد في الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية خلق حلقة موت مغلقة في غزة، حيث لا يجد الطبيب ما يسعف به المريض، ولا يجد المريض ما يعينه على الصمود. هذه ليست مجرد أزمة صحية، بل مشهد متكامل من الانهيار الإنساني، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني عاجل: إما التدخل الفوري لإنقاذ الأرواح، أو القبول بمشهد إبادة صامتة يتواصل أمام أعين العالم.






