لم تعد الحرب في قطاع غزة تهدد حياة السكان ومساكنهم فحسب، بل امتدت آثارها إلى أحد أهم مصادر الغذاء والدخل، وهو القطاع الزراعي الذي بات يواجه واحدة من أسوأ أزماته منذ عقود.
وبحسب تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” بالتعاون مع مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية “يونوسات”، لم تعد سوى نسبة محدودة للغاية من الأراضي الزراعية في القطاع متاحة وسليمة وقابلة للاستخدام.
وتشير البيانات التي جُمعت حتى نهاية يونيو/حزيران 2026 إلى أن مساحة الأراضي الزراعية التي يمكن الوصول إليها واستغلالها من دون أضرار كبيرة تراجعت إلى 448 هكتارا فقط، مقارنة بـ601 هكتار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أي بانخفاض نسبته نحو 25.5%.
3% فقط من الأراضي سليمة ومتاحة
تكشف الأرقام حجم التدهور الذي أصاب الزراعة في غزة. فعلى الرغم من أن نحو 27% من الأراضي الزراعية لا تزال متاحة فعليا، فإن معظم هذه الأراضي تعرض لأضرار جسيمة، ما يعني أنها تحتاج إلى عمليات إعادة تأهيل واسعة قبل أن تصبح قادرة على استعادة إنتاجها.
أما الأراضي التي تجمع بين ثلاثة شروط، هي أن تكون متاحة وآمنة نسبيا وغير متضررة وقابلة للاستخدام الزراعي، فلا تمثل سوى نحو 3% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع.
وبذلك لم تعد المشكلة مرتبطة بحجم الضرر المادي الذي لحق بالأراضي والمنشآت الزراعية فقط، بل أصبحت مرتبطة أيضا بإمكانية الوصول إليها.
“الخط الأصفر” يضيّق المجال الزراعي
ويعزو التقييم الأممي الجزء الأكبر من التراجع في الأراضي القابلة للاستغلال إلى تقلص إمكانية الوصول إليها منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ويبرز في هذا السياق توسع ما يعرف بـ”الخط الأصفر” باتجاه الغرب، وهو الخط الذي يفصل مناطق وقف إطلاق النار عن المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.
ومع امتداد المناطق المقيدة الوصول، وجد المزارعون أنفسهم أمام مساحة أقل بكثير يمكنهم الوصول إليها وزراعتها، حتى في الحالات التي بقيت فيها الأرض أو المنشآت الزراعية سليمة من الناحية المادية.
وقال راين بولسن، مدير مكتب الطوارئ والقدرة على الصمود في منظمة الأغذية والزراعة، إن فقدان الوصول إلى الأراضي الزراعية يقلص بصورة أكبر المساحة المتاحة للمزارعين لإنتاج الغذاء، حتى عندما تكون البنية التحتية الزراعية نفسها لا تزال قائمة.
البيوت الزجاجية تواجه المصير نفسه
ولم تسلم البيوت الزجاجية من تداعيات الحرب والقيود على الوصول. ووفقا للتقييم، تبلغ مساحة البيوت الزجاجية التي يمكن الوصول إليها والتي لا تزال سليمة نحو 224 هكتارا، أي 16.6% من إجمالي المساحة.
وكانت هذه المساحة تبلغ نحو 226 هكتارا، أو 17.3%، في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
ورغم أن التراجع يبدو محدودا من حيث المساحة، فإن استمرار القيود على الوصول إلى هذه المنشآت يعني أن وجودها المادي لا يضمن قدرتها على الإنتاج.
وتعد محافظة دير البلح من بين المناطق التي تعرض قطاع البيوت الزجاجية فيها لأضرار كبيرة، ما يزيد من صعوبة استعادة الإنتاج الزراعي في المدى القريب.
رفح.. المنطقة الأكثر عزلة عن الزراعة
تظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحا في محافظة رفح، حيث وصلت نسبة الأراضي المزروعة غير القابلة للوصول إلى 97.2%، في حين بلغت النسبة بالنسبة إلى البيوت الزجاجية 98.4%.
وهذا يعني أن الجزء الأكبر من القدرة الزراعية في المحافظة بات خارج متناول المزارعين، بغض النظر عن حالة المنشآت أو الأراضي نفسها.
وفي المقابل، تتركز الأضرار المادية الأكبر التي لحقت بالقطاع الزراعي في محافظتي شمال غزة وغزة، حيث تعرضت الأراضي والمنشآت والبنية التحتية الزراعية لدمار واسع.
أزمة تتجاوز خسارة الأرض
تكمن خطورة الوضع في أن تراجع الزراعة لا يعني فقط فقدان مصدر دخل لآلاف الأسر، بل يعني أيضا انخفاض قدرة القطاع على إنتاج الغذاء محليا في وقت يعتمد فيه السكان بدرجة كبيرة على المساعدات والإمدادات القادمة من الخارج.
وتؤكد نتائج التقييم أن المشكلة لم تعد محصورة في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما في توفير إمكانية آمنة ومستقرة للوصول إلى الأراضي التي يمكن إعادة استخدامها.
ويقول بولسن إن استمرار الوضع الحالي من دون إجراءات عاجلة لاستعادة الوصول الآمن إلى الأراضي وتوفير الدعم اللازم للمزارعين سيؤدي إلى مزيد من تراجع فرص استعادة الإنتاج الغذائي المحلي.
الزراعة أمام اختبار البقاء
تكشف الأرقام الأممية عن قطاع زراعي لا يواجه فقط آثار الدمار، وإنما يخسر تدريجيا المساحة التي يمكنه العمل فيها.
فحتى الأراضي التي لم تُدمر بالكامل لا يمكن اعتبارها موردا غذائيا ما دام المزارعون غير قادرين على الوصول إليها، بينما تحتاج الأراضي المتضررة إلى استثمارات وعمليات إعادة تأهيل واسعة.
وبينما تستمر تداعيات الحرب في الضغط على مختلف قطاعات الحياة في غزة، تبدو الزراعة أمام اختبار بالغ الصعوبة: استعادة الأرض، وتأمين الوصول إليها، وإعادة تشغيل البنية التحتية الزراعية، ثم تمكين المزارعين من العودة إلى الإنتاج.
ومن دون معالجة هذه الحلقات مجتمعة، قد لا يكون تدمير القطاع الزراعي مجرد أثر مؤقت للحرب، بل أزمة تمتد آثارها لسنوات وتترك تداعيات مباشرة على الأمن الغذائي ومستقبل الإنتاج المحلي في القطاع.






