في اليوم الـ663 من حربٍ تجاوزت حدود المعقول، لم تعد غزة مجرد ساحة نزاع عسكري، بل باتت مسرحاً مفتوحاً لحرب إبادة ممنهجة تستهدف البشر قبل الحجر، والحياة قبل البنى التحتية. المشهد الإنساني في القطاع بلغ مرحلة من القسوة تجعله أقرب إلى الكارثة الأخلاقية العالمية، وسط صمت دولي تواطئي وتردّد في المواقف يرقى إلى شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر.
صدمة في ضمير العالم
تؤكد التطورات الأخيرة أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كثّف، بشكل منهجي، استهدافه لطالبي المساعدات، في الوقت الذي اشتدت فيه المجاعة حتى غدت سلاحًا إضافيًا ضمن ترسانة الحرب. استشهاد 13 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 20 آخرين قرب مراكز توزيع المساعدات، فضلًا عن إصابة 7 آخرين كانوا يصطفون في طابور للحصول على المياه في رفح، يكشف كيف تحوّلت نقاط الإغاثة إلى ساحات إعدام جماعي، وكيف بات الجوع لا يهدد الحياة فقط، بل يستدرج الموت إليها.
مدير مجمع الشفاء الطبي أعلن دخول القطاع المرحلة الثالثة من المجاعة، وهي مرحلة تتجاوز مجرد انعدام الأمن الغذائي لتصل إلى تهديد فعلي لبقاء السكان على قيد الحياة. بينما يؤكد “برنامج الأغذية العالمي” أن غزة قد تجاوزت بالفعل حدين من أصل ثلاثة تُعتمد دوليًا لتعريف المجاعة، وهو إعلان يُفترض أن يُحدث صدمة في ضمير العالم، لكنه، للأسف، يمر مرور البيانات المعتادة في نشرات الأخبار.
التجويع وسيلة للحرب
في مقابل هذا الواقع المتدهور، تتداول وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن تفكير الحكومة في خيارات توصف بـ”المتطرفة”، كرد فعل على فشل عملية “عربات جدعون” في تحقيق أي نتائج ملموسة بشأن ملف الأسرى. تتضمن هذه الخيارات فرض حصار مطلق على بعض المناطق في القطاع، ومنع الغذاء والماء عنها، مقابل السماح بالمساعدات فقط لمن يغادرها. مثل هذه السياسات، لو نُفذت، ستكون ترجمة حرفية لنظرية التجويع كوسيلة للحرب، وهي جريمة تُصنف بوضوح ضمن جرائم الحرب حسب القانون الدولي.
كل ما يجري في غزة لا يُختزل في عدد الشهداء أو المصابين، بل في الانهيار الشامل لكل ما هو إنساني. المشهد لم يعد يحتمل وصفًا تقنيًا أو سياسيًا، بل يفرض قراءة أخلاقية عميقة تُعيد تعريف ما يعنيه أن تكون إنسانًا في هذا العالم. فأمام هذا العجز عن وقف المجزرة، تفقد الإنسانية شيئًا من جوهرها، يوماً بعد يوم.
جرائم تُرتكب على الهواء
الصمت الدولي، حتى حين يصطبغ بلغة القلق أو الإدانات الخجولة، لا يكفي. الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والدول الكبرى، مطالبة ليس فقط بمواقف، بل بتحركات حقيقية. فالوضع لم يعد يتعلق بـ”أزمة إنسانية”، بل بجرائم تُرتكب على الهواء مباشرة، وتُوثّقها الشاشات والشهادات والدماء التي تغمر الطرقات.
إن مأساة غزة اليوم لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تهدد مفاهيم القانون الدولي، والعدالة، والمجتمع الدولي ذاته. فما لم يتم وضع حدٍّ عاجل لهذا المسار الكارثي، فإن ما يتعرض له المدنيون في القطاع سيظل وصمة في جبين العالم، لعقود قادمة.






