أصدر عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في ليبيا، قراراً يقضي بإعفاء السوريين المخالفين لشروط الإقامة من دفع الرسوم والغرامات المترتبة عليهم، حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2025.
القرار، الذي طال انتظاره، جاء ليستجيب لمعاناة آلاف السوريين المقيمين في ليبيا منذ أكثر من عقد، والذين اصطدموا بقوانين صارمة فرضت عليهم غرامات مرتفعة أعاقت عودتهم إلى وطنهم أو تسوية أوضاعهم القانونية.
ارتياح شعبي واسع على الأرض وفي الفضاء الإلكتروني
فور صدور القرار، شهدت مناطق عدة في ليبيا احتفالات صغيرة للجالية السورية، كما امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي برسائل الشكر والترحيب بالخطوة.
كثيرون عدّوا القرار بمثابة «نافذة أمل» بعد سنوات من الغربة القاسية، إذ يُتوقع أن يسهّل عودة العديد منهم إلى سوريا للاطمئنان على عائلاتهم، من دون أن يثقل كاهلهم عبء الغرامات.
معاناة سابقة بين البطالة والفديات
القرار جاء بعد سنوات طويلة من الشكاوى التي رفعها السوريون المقيمون في ليبيا، إذ عانى كثير منهم من البطالة، وواجه آخرون مخاطر الخطف ودفع «فديات» للميليشيات المسلحة. كما شكّلت الغرامات، التي تصل إلى 500 دينار (نحو 90 دولاراً) عن كل شهر تجاوز فيه المقيم المدة القانونية، عبئاً مالياً ضخماً حال دون قدرة كثيرين على مغادرة البلاد أو العودة إليها.
الخطوة الليبية جاءت متزامنة مع تحركات دبلوماسية متسارعة، إذ أعادت سوريا افتتاح سفارتها في طرابلس مطلع أغسطس الماضي، بعد إغلاق دام 13 عاماً.
وكانت وزارة الخارجية السورية قد أرسلت وفداً لتقديم خدمات قنصلية عاجلة للجالية، في إطار مساعٍ لتسوية أوضاعهم القانونية. الخارجية السورية بدورها رحبت بقرار الدبيبة، واعتبرته «مبادرة تعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين».
جالية سورية متنوعة تثري المجتمع الليبي
يُقدَّر عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السوريين في ليبيا بنحو 14,500 وفق إحصاءات الأمم المتحدة عام 2020، غير أن الأعداد الفعلية يُعتقد أنها أكبر في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة.
ويضم النسيج السوري في ليبيا أطباء ومهندسين وطلاباً في الجامعات، إلى جانب عمال في الأسواق والمطاعم. يقول الشاب السوري سعدان أبو يوسف إنه يستعد للعودة إلى دمشق للاطمئنان على أسرته، ثم العودة مجدداً إلى طرابلس لاستكمال عمله في مجال الطهي.
جدل حول الضغوط على موارد الدولة
في المقابل، يرى بعض الليبيين أن وجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية يشكّل عبئاً على موارد الدولة. الدكتور أيمن بن حليم، الأكاديمي الليبي، أشار إلى أن مجانية التعليم العام للأجانب، ومن بينهم السوريون، تستنزف جزءاً مهماً من ميزانية الدولة.
لكنه شدّد في الوقت ذاته على أن «إعفاء السوريين من الغرامات يُعد قراراً إنسانياً لا بد من دعمه في ظل ظروف الحرب والتهجير التي مروا بها».
قرار إنساني يخفّف أعباء الغربة
يرى الخبير في شؤون الهجرة الدكتور حسام العبدالله أن قرار إعفاء السوريين من الغرامات في ليبيا يحمل بُعداً إنسانياً بالدرجة الأولى، لأنه يراعي أوضاع جالية عانت طويلاً من ظروف الغربة والصراع في وطنها الأم.
ويضيف أن «القرار يسهم في فتح باب العودة الطوعية لكثير من السوريين الذين حالت الغرامات المرتفعة دون قدرتهم على زيارة أسرهم أو تسوية أوضاعهم».
رسالة سياسية لتعزيز العلاقات الثنائية
يعتبر الباحث في العلاقات الدولية مروان بن موسى أن الخطوة الليبية تحمل أيضاً بعداً سياسياً، إذ تعكس رغبة حكومة طرابلس في توثيق علاقاتها مع دمشق بعد سنوات من القطيعة.
ويشير إلى أن «إعادة افتتاح السفارة السورية في طرابلس، ثم صدور قرار الإعفاء، يبرزان توجهاً جديداً نحو الانفتاح والتقارب، في إطار مساعٍ إقليمية لإعادة سوريا إلى محيطها العربي».
الأثر الاقتصادي على السوق الليبية
يرى الخبير الاقتصادي الليبي أيمن بن حليم أن القرار سيتيح للجالية السورية، التي تضم آلاف العمال وأصحاب المهن، استقراراً أكبر داخل ليبيا، ما سينعكس إيجاباً على السوق المحلي.
لكنه في الوقت نفسه يحذّر من «زيادة الضغط على الخدمات العامة، خصوصاً التعليم والصحة، إذا لم ترافق الخطوة إجراءات تنظيمية توازن بين احتياجات المواطنين والوافدين».
وتقول الباحثة الاجتماعية ريم السعدي إن القرار يخفف شعور السوريين بالعزلة والاغتراب، ويدعم اندماجهم بشكل أفضل في المجتمع الليبي.
وتضيف أن «إعفاء الغرامات لا يعني فقط توفير عبء مادي، بل يمنح السوريين شعوراً بالاعتراف بوجودهم واحترام معاناتهم، ما يساهم في تعزيز الروابط بين الجالية والدولة المستضيفة».
ويؤكد المحلل السياسي بشار الناصر أن قرار الدبيبة قد يشكّل نموذجاً لدول أخرى تستضيف جاليات سورية كبيرة، مثل مصر والأردن وتركيا.
ويشير إلى أن «نجاح التجربة الليبية في تخفيف الأعباء عن السوريين قد يدفع هذه الدول إلى التفكير في إجراءات مماثلة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الجاليات، والرغبة في الحفاظ على علاقات متوازنة مع دمشق».






