القصف الإسرائيلي المتكرر للأبراج والعمارات السكنية في قطاع غزة، والذي كان آخره استهداف “برج مشتهى” غرب مدينة غزة، يعكس سياسة متعمدة تتجاوز نطاق العمليات العسكرية التقليدية إلى مستوى أبعد يرتبط بالهندسة الديمغرافية والسيطرة الميدانية.
الحكومة الفلسطينية في غزة وصفت هذه الممارسات بأنها جرائم حرب تهدف إلى التهجير القسري لمئات آلاف المدنيين، وهو توصيف يجد صداه في القانون الدولي الإنساني الذي يلزم قوة الاحتلال بإثبات وجود أهداف عسكرية مشروعة واتخاذ كافة الاحتياطات لتجنب الإضرار بالمدنيين. لكن الوقائع على الأرض، كما أشار إسماعيل الثوابتة، تؤكد أن عمليات القصف تتم غالبًا دون وجود أي أهداف عسكرية معلنة، ما يجعلها أقرب إلى سياسة ممنهجة لإفراغ الأحياء من سكانها وإعادة تشكيل الخريطة السكانية.
استغلال إسرائيل للصمت الدولي
الأرقام التي أوردها الثوابتة تكشف حجم الكارثة المحتملة: مدينة غزة وحدها تضم أكثر من 914 ألف نسمة، وفيها ما يزيد على 51 ألف مبنى سكني متعدد الطوابق. استهداف مثل هذه الكتلة العمرانية الكثيفة لا يمكن النظر إليه باعتباره خسائر جانبية عرضية، بل يرقى إلى سياسة معتمدة لإحداث ضغط نفسي وجسدي على المدنيين ودفعهم إلى النزوح الجماعي. فالرسالة الموجهة من خلال قصف الأبراج ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية وإعلامية، ترمي إلى فرض حالة من الردع والخوف داخليًا وإظهار إسرائيل بمظهر الطرف القادر على كسر إرادة السكان وإجبارهم على الخضوع لشروطها.
البعد الأهم هنا يتمثل في استغلال إسرائيل لمعادلة الصمت الدولي، وهو ما أشار إليه الثوابتة بوضوح حين اتهم الولايات المتحدة بتوفير غطاء رسمي لهذه السياسات. هذا الدعم يتيح لإسرائيل هامش حركة أوسع، بحيث تتحول المدن السكنية إلى مسرح لفرض استراتيجياتها العسكرية والسياسية، من دون أن تواجه محاسبة فورية. وفي هذا السياق، يصبح القانون الدولي الإنساني مجرد إطار نظري لا يجد طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.
جريمة ممنهجة
إلى جانب الأبعاد القانونية، ثمة انعكاسات اجتماعية وديمغرافية خطيرة. تهجير السكان من الأبراج السكنية يعني فقدان مئات العائلات لمساكنها، وانهيار شبكات الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وتفاقم أزمة النزوح الداخلي في قطاع محاصر أصلًا. وهو ما يُعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية لاستخدام التهجير القسري كأداة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والديمغرافية لمناطق النزاع. وبالتالي، فإن القصف المتكرر للأبراج لا يُقاس فقط بعدد الضحايا المباشرين، بل بتأثيره طويل المدى على النسيج الاجتماعي وإمكانية إعادة الإعمار وإعادة الحياة الطبيعية مستقبلاً.
الرسالة الفلسطينية في هذا السياق واضحة: استهداف الأبراج ليس مجرد عمل عسكري بل جريمة ممنهجة ذات أبعاد إنسانية وسياسية. وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء بالإدانات أو البيانات الدبلوماسية، بل يتطلب الأمر تدخلًا عاجلًا من المؤسسات القانونية الدولية لفتح تحقيقات جادة، ومساءلة القادة الإسرائيليين عن جرائم التهجير القسري.
تغيير الواقع الديمغرافي
غياب المساءلة لا يعني فقط استمرار الجرائم، بل يرسخ منطق القوة كمرجعية وحيدة في التعامل مع المدنيين، وهو ما يتناقض مع كل ما يمثله القانون الدولي من قيم ومعايير.
بهذا المعنى، فإن قصف “برج مشتهى” وغيره من الأبراج لا يمكن عزله عن سياق أوسع لسياسة إسرائيلية تستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي في غزة بالقوة. وهي سياسة تدفع نحو كارثة إنسانية متواصلة، وتُعيد التأكيد على أن حماية المدنيين في النزاعات المسلحة ليست مسألة إنسانية فحسب، بل قضية سياسية وأخلاقية تتعلق بمصداقية النظام الدولي بأسره.






