التصعيد العسكري الإسرائيلي في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة يمثل نموذجاً صارخاً لسياسة الاحتلال القائمة على تحويل الخطط المعلنة إلى وقائع ميدانية، عبر أدوات التدمير الشامل والتهجير القسري. فالحي، الذي يُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية في مدينة غزة، يتعرض منذ عدة أيام لعمليات قصف جوي وبري متواصلة أسفرت عن تدمير مئات المنازل فوق رؤوس ساكنيها. شهادات الدفاع المدني المحلي أكدت أن أكثر من 300 منزل دُمّر خلال فترة وجيزة، وسط عجز كامل عن التدخل لإنقاذ الجرحى أو انتشال الجثث بفعل الحصار العسكري. هذا النمط من الاستهداف يعكس مسعى الاحتلال لإحداث فراغ سكاني في المنطقة كخطوة أولى لفرض ما يسميه “المناطق العازلة”، التي لطالما شكّلت جزءاً من خططه طويلة الأمد في القطاع.
خلافات عميقة في إسرائيل
ما يزيد المشهد تعقيداً هو ارتباط هذه العمليات بخطة إعادة احتلال غزة التي صادق عليها المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، والتي تبدأ بتهجير قرابة مليون إنسان من مدينة غزة إلى الجنوب، تمهيداً لتطويقها ثم التوغل داخل أحيائها. حي الزيتون، بحكم موقعه الجغرافي المتاخم لوادي غزة والمناطق الشرقية المسيطر عليها من قبل الاحتلال، يُعتبر منطقة استراتيجية في هذا السياق، ما يفسر شراسة الاستهداف الذي يتعرض له. غير أن هذه الخطة فجرت خلافات داخلية عميقة في إسرائيل؛ إذ يرى رئيس الأركان هرتسي هليفي أن إعادة الاحتلال الكامل تمثل “فخاً استراتيجياً”، بينما وصفت قوى سياسية معارضة الخطة بأنها بمثابة “حكم إعدام” للرهائن المحتجزين في غزة. ومع ذلك، يبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اختار المضي قدماً مدفوعاً بحسابات سياسية داخلية أكثر من اعتبارات الكلفة العسكرية والإنسانية.
في الأفق الأوسع، يندرج ما يحدث في الزيتون ضمن حرب إبادة مستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، أوقعت أكثر من 61 ألف شهيد وما يزيد عن 154 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، فضلاً عن آلاف المفقودين ومئات الآلاف من النازحين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية وصلت إلى حد المجاعة التي حصدت أرواح المئات بالفعل. بهذا المعنى، فإن العدوان على الزيتون ليس مجرد عملية عسكرية محدودة، بل هو امتداد لسياسة منهجية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للقطاع من خلال الإبادة والاقتلاع.
حجم المأساة الإنسانية
مع كل يوم من التصعيد، تتسع الهوة بين الرواية الإسرائيلية التي تزعم تحقيق أهداف أمنية، وبين الحقائق الميدانية التي توثقها المنظمات الأممية والحقوقية والتي تؤكد أن استهداف المدنيين وحرمانهم من مقومات الحياة يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان. وبقدر ما يسعى الاحتلال لفرض وقائع جديدة على الأرض، فإن حجم المأساة الإنسانية ووتيرة المجازر يضعان إسرائيل في مواجهة ارتدادات دولية وإقليمية متصاعدة، من شأنها أن تجعل مشروع إعادة احتلال غزة مكلفاً سياسياً وأخلاقياً إلى حد يصعب احتواؤه.






