يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين الثلاثاء 19 مايو، في زيارة دولة تستمر يومين، تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي، في ظل تصاعد التوترات الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والملف الإيراني والمواجهة الاقتصادية المتزايدة بين الصين والغرب.
وتأتي الزيارة بعد أيام فقط من تحركات دبلوماسية أمريكية مكثفة في آسيا، ما يمنح اللقاء بين بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ أهمية سياسية واستراتيجية استثنائية، خصوصًا مع سعي موسكو وبكين إلى تعزيز التنسيق في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة.
وقال الكرملين إن المحادثات ستركز على “القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية”، إضافة إلى العلاقات التجارية والطاقة والتعاون المالي، فيما أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن موسكو “تعلق توقعات عالية جدًا” على هذه الزيارة في إطار تطوير “شراكة استراتيجية خاصة ومميزة”.
ويرافق بوتين وفد روسي واسع يضم نواب رؤساء الحكومة وعددًا من الوزراء وكبار مسؤولي الشركات الحكومية والخاصة العاملة في السوق الصينية، في إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد والطاقة يشكلان المحور الأساسي للقمة.
شراكة تتجاوز العقوبات الغربية
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحولت الصين إلى الشريك الاقتصادي الأهم لروسيا، بعدما أعادت العقوبات الغربية رسم خريطة التجارة الروسية ودفعت موسكو شرقًا بشكل متسارع.
وخلال العامين الماضيين، سجل حجم التبادل التجاري بين البلدين مستويات قياسية، مدفوعًا بارتفاع صادرات النفط والغاز الروسية إلى الصين، إلى جانب توسع استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية بدل الدولار واليورو.
وتسعى موسكو إلى ترسيخ هذا المسار عبر اتفاقيات جديدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والتكنولوجيا المالية، بينما ترى بكين في روسيا مصدرًا استراتيجيًا للطاقة بأسعار تفضيلية، وشريكًا سياسيًا مهمًا في مواجهة النفوذ الأمريكي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الصين أصبحت المنفذ التجاري الأكثر أهمية للاقتصاد الروسي منذ فرض العقوبات الغربية، خصوصًا في مجالات أشباه الموصلات والمعدات الصناعية والسيارات والمنتجات الإلكترونية.
الحرب في أوكرانيا.. تنسيق سياسي ورسائل للغرب
الحرب في أوكرانيا ستكون دون شك إحدى أبرز القضايا المطروحة على طاولة الزعيمين، خاصة مع استمرار الدعم العسكري الغربي لكييف وتصاعد الحديث في أوروبا والولايات المتحدة عن تشديد العقوبات على موسكو.
ورغم محاولة الصين الحفاظ على خطاب رسمي “محايد”، فإن الدول الغربية تتهم بكين بتوفير دعم اقتصادي وتقني غير مباشر لروسيا، وهو ما تنفيه السلطات الصينية باستمرار.
ومن المتوقع أن يناقش بوتين وشي جين بينغ مستقبل المبادرات السياسية المتعلقة بالحرب، إلى جانب تقييم الموقف الأمريكي والأوروبي، في ظل مؤشرات على دخول النزاع مرحلة استنزاف طويلة الأمد.
ويرى مراقبون أن القمة تحمل أيضًا رسالة سياسية واضحة للغرب مفادها أن محاولات عزل روسيا دوليًا لم تنجح، وأن موسكو لا تزال قادرة على بناء تحالفات اقتصادية واستراتيجية مؤثرة.
إيران والطاقة وأمن الممرات الدولية
الملف الإيراني بدوره يحضر بقوة في المحادثات الروسية الصينية، خصوصًا مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة والطاقة العالمية.
وتتقاطع مصالح موسكو وبكين في رفض الضغوط الغربية على إيران، كما ينظر الطرفان إلى طهران باعتبارها عنصرًا مهمًا في مشاريع الربط التجاري والطاقة ضمن المبادرات الآسيوية الكبرى.
وتولي الصين أهمية خاصة لاستقرار إمدادات النفط القادمة من المنطقة، بينما ترى روسيا في التنسيق مع بكين وطهران وسيلة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
كما يُتوقع أن تشمل النقاشات ملفات مرتبطة بأسعار الطاقة العالمية وخطوط الغاز والنفط العابرة لآسيا، في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات متزايدة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
بكين تسعى لتكريس دورها العالمي
صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية اعتبرت أن استقبال بوتين بعد أيام من تحركات دبلوماسية أمريكية يؤكد أن بكين “تثبت نفسها بسرعة كمركز عصبي للدبلوماسية العالمية”.
ويبدو أن القيادة الصينية تسعى إلى استثمار علاقاتها المتنامية مع روسيا لتعزيز موقعها كقوة دولية قادرة على التأثير في الملفات الكبرى، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط والطاقة والتجارة العالمية.
وفي المقابل، تراهن موسكو على هذه العلاقة لتخفيف آثار العقوبات الغربية، والحفاظ على حضورها الاقتصادي والسياسي في النظام الدولي الذي يشهد تحولات متسارعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.




