مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في كوت ديفوار المقررة في أكتوبر المقبل، تجد اللجنة الانتخابية المستقلة نفسها في مواجهة تصاعد غير مسبوق لحملات المعلومات المضللة، التي باتت تهدد الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.
وقد بدأت هذه الحملات بالتصاعد منذ نشر القائمة الانتخابية المؤقتة في 17 مارس، حين امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بشهادات ومزاعم تفيد بظهور أسماء مواطنين لم يسجلوا قط ضمن قوائم الناخبين، وهو ما أثار موجة من الشكوك والاتهامات بالتلاعب، وزاد من التوتر في الساحة السياسية.
ردود رسمية وإجراءات توضيحية
في محاولة لاحتواء الجدل، أطلقت اللجنة الانتخابية المستقلة صفحة خاصة على “فيسبوك” للرد على الادعاءات المنتشرة، ونشرت من خلالها أدلة مرئية وموثقة، تضمنت صورًا بيومترية وبطاقات تعريفية توضح مراكز التسجيل والتفاصيل التي تثبت صحة الإجراءات. وقد ساهم هذا الرد في الحدّ من انتشار المعلومات الزائفة، وتهدئة الرأي العام نسبيًا، رغم استمرار حالة الحذر والريبة لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
الأجواء السياسية تغذي المحتوى المضلل
يرى الصحفي المتخصص في التحقق من المعلومات، محمد كيبي، أن الفترات الانتخابية تُعد بيئة مثالية لانتشار الأخبار الكاذبة. وأشار إلى تسجيل حالات تداول فيها مستخدمون على مواقع التواصل مزاعم غير دقيقة، من بينها وصول جنود فرنسيين إلى البلاد لتأمين الانتخابات، ووجود فيلق فرنسي يستعد لشن عمليات ضد بوركينا فاسو.
ويضيف كيبي أن هذه المعلومات الزائفة تتغذى على حالة التوتر السياسي الإقليمي، خاصةً مع الجارتين بوركينا فاسو ومالي، وهما عضوان في تحالف دول الساحل، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأخبار المضللة التي تم رصدها تتقاطع مع هذا السياق.
التضليل: نمط متكرر في التجارب الإفريقية
آسان ديانيي، الصحفي البارز والرئيس السابق لمنصة “Africa Check”، يرى أن انتشار المعلومات الكاذبة خلال الفترات الانتخابية بات نمطًا متكررًا في العديد من الدول الإفريقية. ويؤكد أن جميع التيارات السياسية، دون استثناء، تلجأ إلى استخدام التضليل والمبالغة من أجل النيل من خصومها، أو لتحسين صورتها لدى الرأي العام.
واستشهد ديانيي بحالات مشابهة شهدتها الانتخابات في السنغال خلال الأعوام 2012 و2019 و2024، معتبرًا أن ما يجري في كوت ديفوار ليس سوى امتداد لحالة عامة تشهدها القارة الفرنكوفونية.
الذكاء الاصطناعي: أداة مزدوجة
في ظل هذا التصعيد، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملاً حاسمًا في صناعة ونشر المعلومات المضللة. فبفضل تقنيات “التزييف العميق” بات من الممكن إنتاج فيديوهات وصور وأصوات تبدو واقعية، لكنها مزيفة تمامًا، وهو ما يزيد من صعوبة التمييز بين الحقيقة والخداع، خاصةً لدى الفئات الأقل وعيًا أو تعليمًا.
لكن خبير التحول الرقمي، عمر وات، يرى في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي يوفر أدوات قوية للتحقق من صحة الأخبار، مما يجعله سلاحًا ذا حدين. ويؤكد أن الاستجابة لتحدي التضليل الرقمي تتطلب توازناً بين استخدام التكنولوجيا وتطوير وعي الجمهور.
التحديات القانونية والإدارية
رغم الخطوات المتخذة، لا تزال الاستجابات الرسمية دون المستوى المطلوب، وفق ما يؤكده مراقبون. إذ أن غياب الجاهزية المؤسسية والتأخر في الرد على الشائعات، يسمح لها بالانتشار السريع والتأثير في الرأي العام.
من جانبه، صرّح وزير الاتصال الإيفواري، أمادو كوليبالي، بأن الحكومة قامت بتحديث الأطر القانونية لتشديد العقوبات على مروجي الأخبار الزائفة، مع التأكيد على أن ما يُمنع في العالم الواقعي يجب أن يُحظر أيضًا في الفضاء الرقمي.
وأشار كوليبالي إلى أن السلطات أطلقت عدة آليات للتعامل مع التضليل الرقمي، من بينها منصة “تنبيه دون” التابعة لوكالة أمن أنظمة المعلومات، ووحدة مكافحة الجرائم السيبرانية التي تتيح للمواطنين التبليغ عن الأخبار الكاذبة والمضايقات الرقمية.
الإعلام في قلب المواجهة
في مواجهة هذا الواقع، يؤكد ديانيي أن وسائل الإعلام المستقلة مطالبة بلعب دور محوري في مواجهة التضليل، من خلال إنشاء وحدات متخصصة للتحقق من المعلومات، وتحري الدقة في النشر أكثر من أي وقت مضى.
ويشير محمد كيبي إلى أن شبكة الصحفيين الرقميين في كوت ديفوار أنشأت “خلية يقظة” ترصد المحتوى الكاذب على المنصات الرقمية، بالتوازي مع إطلاق منصة “Ivoir-Check” المتخصصة في تفنيد الأخبار الزائفة، والتي أثبتت فاعليتها في كشف العديد من الادعاءات المضللة.
تنظيم المنصات وتثقيف الجمهور
يرى الخبراء أن التصدي الفعّال للتضليل الرقمي لا يتحقق فقط عبر الردود، بل يتطلب أيضًا فرض تنظيم واضح على منصات التواصل الاجتماعي. ويشدد عمر وات على أهمية إلزام الشركات التكنولوجية بالشفافية في خوارزمياتها، وفرض قيود على انتشار المحتوى الزائف، مع ضرورة فرض عقوبات صارمة على المخالفين.
في السياق ذاته، يرى ديانيي أن التعليم الإعلامي يمثل حجر الأساس في بناء مجتمع قادر على مقاومة التضليل، داعيًا إلى حملات توعية تنظم في المدارس ودور العبادة والأسواق، تهدف إلى تعليم الجمهور كيفية التحقق من الأخبار، وتحديد مصادرها الموثوقة.
نحو تحالف عالمي ضد التضليل
ختامًا، يدعو الخبراء إلى إطلاق مبادرة عالمية واسعة النطاق لمواجهة المعلومات المضللة، بمشاركة فعالة من شركات التكنولوجيا العملاقة. ويقترح ديانيي أن تتضمن هذه المبادرة تسهيل بروز المحتوى المتعلق بالتحقق من المعلومات، وجعله متاحًا بوضوح للمستخدمين.
وبينما تستعد كوت ديفوار للاستحقاق الرئاسي المقبل، تبقى معركة الحقيقة والمعلومات الدقيقة واحدة من أهم التحديات التي لا تقل خطورة عن صناديق الاقتراع نفسها.





