تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية أكثر من مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية. فخلف الشعارات التقليدية التي تتحدث عن “الصداقة التاريخية” و”العلاقات الممهورة بالدماء”، تكمن حسابات استراتيجية معقدة تتعلق بتوازنات النفوذ والأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات بين القوى الكبرى.
وبالنسبة لبكين، تمثل كوريا الشمالية حالة استثنائية؛ فهي حليف استراتيجي لا يمكن للصين التخلي عنه، وفي الوقت نفسه شريك يصعب التحكم في قراراته وسلوكياته السياسية والعسكرية.
تحالف تاريخي تشوبه الشكوك
لطالما وصفت بكين وبيونغ يانغ علاقتهما بأنها نتاج “الأخوة التي ولدت من نار الحرب الكورية”، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن تراجع ملحوظ في دفء هذه العلاقة.
فقد بدت مظاهر الفتور واضحة خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2024، حيث غابت اللقاءات رفيعة المستوى وتراجعت الرسائل السياسية المعتادة التي كانت تؤكد متانة التحالف بين الجانبين.
ويرى مراقبون أن هذا التراجع جاء بالتزامن مع تنامي التقارب غير المسبوق بين كوريا الشمالية وروسيا، وهو تطور أثار قلقاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار الصينية.
الشراكة الروسية الكورية تثير مخاوف بكين
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تعزز التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ بشكل لافت، وبلغ ذروته بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية عام 2024.
كما اتُهمت بيونغ يانغ بتقديم دعم عسكري ولوجستي لروسيا مقابل حصولها على النفط والمساعدات الاقتصادية، وهو ما منح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون هامشاً أكبر من الاستقلالية عن الصين.
وبالنسبة لبكين، فإن الخطر لا يكمن فقط في تنامي النفوذ الروسي داخل كوريا الشمالية، بل في احتمال تحول بيونغ يانغ إلى شريك أقل اعتماداً على الصين وأكثر قدرة على المناورة بين القوى الكبرى.
إعادة ضبط العلاقة
أمام هذه التطورات، بدأت الصين خطوات مدروسة لإعادة بناء الثقة مع كوريا الشمالية واستعادة موقعها التقليدي باعتبارها الشريك الأكثر تأثيراً في بيونغ يانغ.
وشكلت دعوة شي جين بينغ لكيم جونغ أون لحضور عرض عسكري في بكين مؤشراً واضحاً على رغبة القيادة الصينية في إحياء قنوات التواصل السياسي المباشر بعد سنوات من الجمود النسبي.
كما حرصت بكين على التأكيد في خطابها الرسمي على مفاهيم “المصير المشترك” و”التنسيق الاستراتيجي”، في رسالة تعكس رغبتها في منع انزلاق كوريا الشمالية بالكامل نحو المحور الروسي.
معادلة معقدة بين المكاسب والمخاطر
ورغم القلق الصيني من تنامي الشراكة الروسية الكورية الشمالية، فإن بكين لا تنظر إلى هذا التقارب من زاوية سلبية فقط.
فمن جهة، يؤدي انشغال الولايات المتحدة بمتابعة التحركات الروسية والكورية الشمالية إلى تشتيت تركيز واشنطن في أكثر من ساحة دولية، وهو ما يصب بشكل غير مباشر في مصلحة الصين.
لكن من جهة أخرى، تخشى بكين أن يؤدي التوسع العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ إلى تعزيز التعاون الأمني بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، الأمر الذي قد يفرض ضغوطاً استراتيجية إضافية على الصين في محيطها الإقليمي.
البرنامج النووي.. الملف الأكثر حساسية
تظل القضية النووية الكورية الشمالية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقات بين البلدين.
فالصين لا تؤيد امتلاك بيونغ يانغ لترسانة نووية متنامية، لأنها تدرك أن ذلك يمنح واشنطن مبررات إضافية لتعزيز وجودها العسكري وتحالفاتها في المنطقة.
ومع ذلك، تتجنب بكين ممارسة ضغوط مباشرة ومفرطة على النظام الكوري الشمالي خشية دفعه أكثر نحو روسيا، وهو ما يفسر موقفها الحذر داخل المؤسسات الدولية تجاه العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ.
الاقتصاد.. ورقة النفوذ الأهم
ورغم التقارب الروسي الكوري الشمالي، لا تزال الصين تمثل الشريان الاقتصادي الأساسي لكوريا الشمالية.
فالتجارة الثنائية سجلت نمواً ملحوظاً خلال العام الماضي، كما استؤنفت خطوط النقل والقطارات بين البلدين بعد سنوات من التوقف، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها جزءاً من استراتيجية صينية لإعادة دمج كوريا الشمالية ضمن دائرة نفوذها التقليدية.
وتدرك القيادة الكورية الشمالية بدورها أن الدعم الروسي قد يكون مرتبطاً بظروف الحرب في أوكرانيا، في حين تبقى الصين الشريك الاقتصادي والسياسي الأكثر استقراراً وقدرة على توفير الدعم طويل الأمد.
زيارة تتجاوز رمزية الصداقة
في المحصلة، تبدو زيارة شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية أقرب إلى مهمة سياسية استراتيجية منها إلى احتفال بالعلاقات التاريخية بين البلدين.
فالصين تسعى إلى تثبيت نفوذها على حدودها الشرقية، والحفاظ على دورها باعتبارها اللاعب الأكثر تأثيراً في مستقبل شبه الجزيرة الكورية، ومنع أي تحول قد يمنح روسيا موقعاً متقدماً في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية للأمن القومي الصيني.
وبينما تتحدث البيانات الرسمية عن الصداقة والتعاون، تشير الوقائع إلى أن القضية الأساسية بالنسبة لبكين اليوم ليست الحفاظ على التحالف فحسب، بل ضمان استمرار نفوذها في دولة حليفة أصبحت أكثر استقلالية وأصعب في التنبؤ بسلوكها من أي وقت مضى.




