أثارت احتفالات لاعبي منتخب الأرجنتين عقب فوزهم على إنجلترا بنتيجة 2-1 في الدور نصف النهائي من بطولة كأس العالم موجة واسعة من الجدل السياسي، بعدما رفع اللاعبون لافتة تؤكد مطالبة بلادهم بالسيادة على جزر فوكلاند، في خطوة اعتبرتها الحكومة البريطانية خرقًا للوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التي تحظر توظيف الأحداث الرياضية في توجيه رسائل سياسية.
وتحولت الواقعة سريعًا من مجرد مشهد احتفالي داخل الملعب إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية، بعدما أعلنت الحكومة البريطانية دعمها للدعوات المطالبة بفتح تحقيق رسمي مع المنتخب الأرجنتيني، معتبرة أن ما حدث يتجاوز حدود المنافسة الرياضية ويدخل في إطار استغلال البطولة للترويج لمواقف سياسية تتعلق بنزاع سيادي قديم بين البلدين.
دعم رسمي من داونينج ستريت
أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني دعمه لمطالب التحقيق، مؤكدًا تأييده للتصريحات التي أدلى بها وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل، والذي دعا الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى إجراء تحقيق شامل في الواقعة.
وقال متحدث باسم داونينج ستريت إن “كأس العالم ربما لم يكن من نصيبنا، لكن جزر فوكلاند بالتأكيد بريطانية، ولن يتزعزع التزامنا تجاه سكانها”، مضيفًا أن اتخاذ أي إجراءات انضباطية يبقى من اختصاص الاتحاد الدولي لكرة القدم، مع تأكيد الحكومة البريطانية دعمها لموقف وزير الأعمال.
كما وصف بيتر كايل الواقعة بأنها “انتهاك صارخ” للوائح البطولة، في إشارة إلى القواعد التي تمنع اللاعبين من استخدام المباريات أو الاحتفالات لعرض شعارات أو رسائل سياسية.
ودعا إد ديفي، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين، إلى إيقاف لاعبي الأرجنتين الذين شوهدوا وهم يحملون اللافتة عن المباراة النهائية يوم الأحد ضد إسبانيا. وتحظر المادة 34.3 من لوائح البطولة على اللاعبين عرض أي رسائل أو شعارات سياسية قبل المباراة أو أثناءها أو بعدها.
دعوات لإيقاف لاعبي الأرجنتين
لم يقتصر الجدل على الحكومة البريطانية، إذ طالب إد ديفي، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين، بإيقاف اللاعبين الذين شاركوا في رفع اللافتة وحرمانهم من خوض المباراة النهائية أمام إسبانيا، معتبرًا أن الالتزام بلوائح البطولة يجب أن يطبق على جميع المنتخبات دون استثناء.
واستندت هذه المطالب إلى المادة (34.3) من لوائح كأس العالم، التي تحظر بشكل صريح عرض أي رسائل أو شعارات ذات طابع سياسي أو ديني أو شخصي قبل المباريات أو أثناءها أو بعدها.
وتعيد الواقعة إلى الأذهان حادثة مشابهة وقعت عام 2014، عندما رفع لاعبو الأرجنتين لافتة تحمل الشعار نفسه عقب مباراة ودية أمام سلوفينيا، وهو ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك إلى فرض غرامة مالية على الاتحاد الأرجنتيني، باعتبار أن التصرف يخالف اللوائح المنظمة للبطولات الدولية.
ويمنح ذلك السابقة بعدًا قانونيًا للمطالب البريطانية الحالية، إذ يرى مؤيدو التحقيق أن الفيفا سبق أن تعامل مع واقعة مماثلة، بما يستدعي تطبيق المعايير نفسها على الحدث الجديد.
خلفية النزاع على جزر فوكلاند
وتعد جزر فوكلاند، التي يطلق عليها الأرجنتينيون اسم “لاس مالفيناس”، من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين لندن وبوينس آيرس.
وتخضع الجزر للإدارة البريطانية منذ القرن التاسع عشر، بينما تؤكد الأرجنتين أنها جزء من أراضيها. وتصاعد الخلاف إلى مواجهة عسكرية عام 1982 انتهت بانتصار بريطانيا واستمرار سيادتها على الجزر، فيما لا تزال الحكومات الأرجنتينية المتعاقبة تؤكد تمسكها بالمطالبة بها.
وتظل قضية الجزر حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والرياضي داخل الأرجنتين، حيث غالبًا ما ترتبط المباريات أمام إنجلترا بإحياء هذا الملف التاريخي، وهو ما يفسر الحساسية التي صاحبت رفع اللافتة خلال احتفالات التأهل إلى نهائي كأس العالم.
الفيفا أمام اختبار جديد
وتضع الواقعة الاتحاد الدولي لكرة القدم أمام اختبار جديد يتعلق بمدى التزامه بتطبيق لوائحه الخاصة بالفصل بين الرياضة والسياسة، خاصة في ظل الضغوط البريطانية المطالبة باتخاذ إجراءات، مقابل اعتبار الجانب الأرجنتيني أن التعبير عن موقفه التاريخي لا ينفصل عن الهوية الوطنية.
ومن المنتظر أن يحدد موقف الفيفا من هذه القضية ما إذا كانت الاحتفالات الأرجنتينية ستبقى مجرد مشهد عابر في البطولة، أم ستتحول إلى أزمة انضباطية قد تلقي بظلالها على المباراة النهائية وتفتح بابًا جديدًا للجدل حول تسييس المنافسات الرياضية الدولية.
وفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) غرامة مالية على الأرجنتين بعد رفعها لافتة تحمل نفس الشعار عقب مباراة ودية ضد سلوفينيا في عام 2014.






