يشهد لبنان مرحلة دقيقة تتسم بزخم سياسي ودبلوماسي متصاعد، عقب إعلان وقف إطلاق النار مع إسرائيل، في محاولة جادة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى مسار تفاوضي مستدام.
وتتحرك مؤسسات الدولة اللبنانية على أكثر من محور، داخلياً وخارجياً، لتهيئة الأرضية اللازمة لانطلاق مفاوضات مباشرة، وسط دعم دولي وعربي واضح.
في هذا السياق، برزت اتصالات رفيعة المستوى، شملت تواصلاً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تناولت التطورات الأخيرة، وسبل تثبيت وقف إطلاق النار، والتحضير لإطلاق مسار تفاوضي يحقق الاستقرار.
توحيد الجبهة الداخلية
على المستوى الداخلي، يقود الرئيس عون بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام جهوداً لتوحيد الموقف اللبناني، في ظل إدراك واضح أن أي مفاوضات ناجحة تتطلب جبهة داخلية متماسكة.
وركزت الاجتماعات الحكومية الأخيرة على تقييم مرحلة ما بعد الهدنة، ووضع تصور للإطار التفاوضي، مع التأكيد على حماية المصالح اللبنانية، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة الأسرى، ومعالجة النقاط الحدودية العالقة.
كما تبرز مسألة بسط سلطة الدولة وحصر السلاح كأحد أهم التحديات الداخلية، حيث تسعى الحكومة إلى تعزيز حضورها الأمني، خصوصاً في العاصمة بيروت، بما يعكس جدية الدولة في إدارة المرحلة المقبلة.
وفد مصغر.. ومفاوضات مباشرة
وتشير المعطيات إلى توجه لبنان إلى تشكيل وفد تفاوضي مصغر، برئاسة السفير سيمون كرم، يضم عدداً محدوداً من الشخصيات السياسية والعسكرية، في خطوة تهدف إلى تسريع وتيرة التفاوض وتفادي التعقيدات الداخلية.
ورغم الجاهزية اللبنانية المعلنة، فإن مسألة تشكيل الوفد لم تكن سهلة، في ظل تباينات داخلية، لا سيما من جانب «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بري، ما يعكس حساسية المرحلة وتشابك الملفات السياسية والأمنية.
ملفات شائكة على طاولة التفاوض
وترتكز الورقة اللبنانية المرتقبة للمفاوضات على عدة محاور رئيسية، أبرزها تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تقدمت إليها، والإفراج عن الأسرى، وتسوية النزاعات الحدودية، خصوصاً النقاط الـ13 المختلف عليها على طول الخط الأزرق.
ورغم أهمية هذه الملفات، فإن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة التهدئة إلى اتفاق فعلي يضمن الاستقرار طويل الأمد.
وفي موازاة الحراك الداخلي، برز دور المملكة العربية السعودية كلاعب أساسي في دعم الاستقرار اللبناني، من خلال تحركات دبلوماسية نشطة قادها وزير الخارجية فيصل بن فرحان.
وتشير المعطيات إلى أن الرياض لعبت دوراً مهماً في الاتصالات التي سبقت وقف إطلاق النار، كما تعمل على دعم الموقف اللبناني، خصوصاً في اتجاه فصل الملف اللبناني عن التجاذبات الإقليمية، بما يعزز فرص نجاح المسار التفاوضي.
وداخلياً، تتزايد المواقف السياسية الداعمة لمسار الدولة، حيث اعتبر وزير الإعلام بول مرقص أن وقف إطلاق النار يمثل فرصة يجب استثمارها، فيما شدد النائب أشرف ريفي على ضرورة استعادة الدولة لهيبتها.
كما وصف رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع المرحلة الحالية بأنها لحظة حاسمة، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة، في حين رأى النائب إبراهيم منيمنة أن تسليم السلاح يمثل خطوة نحو إعادة التوازن الوطني.
هل ينجح المسار التفاوضي؟
ورغم الأجواء الإيجابية، تبقى التحديات قائمة، خصوصاً في ظل هشاشة الهدنة، وارتباطها بتطورات إقليمية أوسع، لا سيما العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما استثمار اللحظة السياسية والدعم الدولي للانتقال نحو استقرار دائم، أو الانزلاق مجدداً إلى دائرة التصعيد.
وبين هذين الخيارين، تبدو قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها، وتوحيد قرارها، العامل الحاسم في تحديد مستقبل المرحلة المقبلة.




