يقدّم المفكر جيلبير الأشقر قراءة حادة للتصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز كونه جولة عسكرية تقليدية، ليقترب من مشروع استراتيجي طويل الأمد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. في هذا السياق، لا يقتصر التحليل على توصيف الميدان، بل يمتد إلى نقد الخيارات اللبنانية الرسمية ومآلاتها.
تصعيد يتجاوز السوابق
يرى الأشقر أن حجم الدمار وطبيعته في الجنوب اللبناني لا يشبه ما سبق، بل يتخطاه من حيث المنهجية والأهداف. فالتدمير، بحسب قراءته، لا يندرج فقط في إطار العمليات العسكرية، بل يحمل مؤشرات على محاولة فرض واقع جديد يمنع عودة السكان، ويفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية محتملة.
ويشير إلى أن ما يُسمّى “استراتيجية غزة” بات حاضرًا في الجنوب، في إشارة إلى نمط من العمليات يقوم على الضغط المكثف والتدمير الواسع لتحقيق أهداف تتجاوز المواجهة المباشرة.
مشروع أوسع من المواجهة
ضمن هذا الطرح، يربط الأشقر بين التصعيد الحالي وبين توجهات اليمين الإسرائيلي الحاكم، معتبرًا أن ما يحدث يندرج في سياق مشروع توسعي أوسع. هذه القراءة ترى أن الأحداث الميدانية ليست معزولة، بل جزء من رؤية استراتيجية تتعامل مع الحدود كمساحات قابلة لإعادة التشكيل.
وفي هذا الإطار، تصبح أي شرارة ميدانية — بما في ذلك تحركات حزب الله — عاملًا يُستثمر لتبرير تصعيد كان قائمًا في الأساس ضمن حسابات أعمق.
جدل حول المسؤوليات
لا يعفي التحليل أي طرف من المسؤولية. فبينما ينتقد الأشقر ما يراه استثمارًا إسرائيليًا للتصعيد، يوجّه أيضًا انتقادات حادة للقرار اللبناني الداخلي، معتبرًا أن المبادرات غير المنسقة قد تضع البلاد في مواجهة تفوق قدراتها.
هذا الطرح يعكس جدلًا أوسع داخل لبنان حول حدود القرار العسكري، ودور المؤسسات الرسمية في إدارة الأزمات، خاصة في ظل توازنات داخلية دقيقة.
أداء رسمي تحت المجهر
ينتقد الأشقر بشدة أداء الدولة اللبنانية، خصوصًا ما يتعلق بإدارة الملف الأمني والعسكري. ويرى أن الانسحاب من بعض المناطق، بدل تعزيز الحضور الرسمي، يعكس حالة من الارتباك أو العجز، ويضعف موقع الدولة في مواجهة التحديات.
كما يعتبر أن تحميل طرف داخلي كامل المسؤولية لا يقدّم حلًا فعليًا، بل قد يزيد من الانقسام الداخلي في لحظة تحتاج إلى تماسك أكبر.
رهان محفوف بالمخاطر
في البعد السياسي، يتوقف الأشقر عند ما يصفه بالرهان اللبناني على الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب. ويشير إلى أن هذا الخيار، في نظره، لا يستند إلى معطيات واقعية، بالنظر إلى طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
هذا الرهان، كما يراه، لا يقتصر خطره على عدم تحقيق نتائج، بل قد يفاقم الانقسامات الداخلية، خصوصًا في بيئة سياسية حساسة.
مفترق طرق حاسم
في المحصلة، يقدّم الأشقر صورة قاتمة لمآلات المسار الحالي، حيث يلتقي التصعيد الخارجي مع هشاشة الداخل. لبنان، وفق هذا التصور، يقف أمام لحظة دقيقة تتطلب إعادة تقييم الخيارات، ليس فقط على مستوى المواجهة، بل أيضًا على مستوى إدارة التوازنات الداخلية.
المرحلة المقبلة لن تتحدد فقط بما يجري على الحدود، بل بكيفية تعامل الداخل اللبناني مع هذه التحديات، في بلد لطالما تأثر مساره بالعوامل الإقليمية والدولية بقدر تأثره بعوامله الداخلية.




