رغم امتلاكها واحدة من أكثر الترسانات النووية إثارة للقلق عالميًا، كان عام 2025 هادئًا نسبيًا على هذا الصعيد بالنسبة لنظام كوريا الشمالية، إذ لم تُجرِ أي تجربة نووية، ولم تُطلق صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات، وفق تحليل نشرته صحيفة The Interpreter.
غير أن الصورة تختلف جذريًا عندما يتعلق الأمر بترسانتها العسكرية التقليدية. فبيونغ يانغ أطلقت خلال الفترة الأخيرة برنامجًا واسعًا لتحديث قواتها، كاشفةً عن أكبر سفنها الحربية حتى الآن، ومطورةً دبابات جديدة، ومنتجةً نوعًا حديثًا من قذائف المدفعية، إلى جانب إدخال طائرات مسيّرة انتحارية مدعّمة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وإطلاق أنظمة دفاع جوي جديدة. كما تعهّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بتزويد سلاح الجو بـ«أصول عسكرية استراتيجية جديدة».
وبحسب الصحيفة، لا يزال ميزان القوى التقليدية يميل لصالح كوريا الجنوبية، غير أن بيونغ يانغ أوضحت نيتها مضاعفة قدراتها، ما ينذر بسباق تسلح تقليدي قد يمتد لاحقًا إلى المجال النووي.
وتشير The Interpreter إلى أن كوريا الشمالية، منذ نهاية الحرب الباردة، ركزت على الردع النووي لتعويض الفجوة العسكرية المتنامية مع الجنوب، على حساب قواتها التقليدية. وقد تراجع معدل تشغيل الصناعات الدفاعية من نحو 50% في منتصف الثمانينيات إلى قرابة 20% بحلول عام 1991، نتيجة الأزمات الاقتصادية. كما أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى حرمان بيونغ يانغ من مصادر أساسية لقطع الغيار والخبرات، في ظل امتناع روسيا لاحقًا عن لعب دور المورّد الرئيسي للسلاح، مفضّلةً سياسة متوازنة بين الكوريتين.
واعترفت كوريا الشمالية علنًا بضعف ترسانتها التقليدية، وحددت في عام 2017 خمس أولويات لتحديث قواتها، معلنة في الوقت نفسه «اكتمال» برنامج الردع النووي الصاروخي. غير أن نقص الموارد المالية والخبرات التقنية حال دون إعطاء التحديث التقليدي أولوية حقيقية، ما أبقى معظم ترسانتها معتمدًا على أسلحة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، ولا تضاهي القدرات الحديثة لكوريا الجنوبية.
لكن هذا الواقع، وفق The Interpreter، بدأ يتغير بعد توقيع معاهدة التحالف بين بيونغ يانغ وموسكو في يونيو/حزيران 2024. فقد أسهم تدفق رؤوس أموال روسية، تُقدّر قيمتها بما بين 5.6 و9.8 مليارات دولار، في إنعاش قطاع الصناعات الدفاعية الكورية الشمالية، لتلبية احتياجات روسيا في حربها ضد أوكرانيا. وأصبحت المصانع الكورية الشمالية تنتج قذائف مدفعية، ومدافع ذاتية الدفع، وصواريخ باليستية قصيرة المدى، وقاذفات صواريخ، مع الاحتفاظ بجزء من هذه الأنظمة للاستخدام المحلي.
وتلعب الخبرة الروسية، إلى جانب مشاركة جنود كوريين شماليين في معارك منطقة كورسك، دورًا محوريًا في توجيه عملية التحديث، خصوصًا في مجال استخدام الطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة. وقد دفعت هذه التجارب بيونغ يانغ إلى تسريع برامج الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير منصات دفاع جوي جديدة.
كما أسهم الاستخدام الفعلي لقذائف المدفعية الكورية الشمالية في ساحة المعركة في تطوير نماذج أكثر تطورًا، فيما كشفت الهجمات الروسية على أوكرانيا أهمية الحرب الإلكترونية والدروع الإضافية للدبابات الحديثة، وهي عناصر تفتقر إليها دبابات كوريا الشمالية القديمة من طراز T-54/55 وT-62. وفي هذا السياق، عرضت بيونغ يانغ دبابات جديدة مزودة بمعدات حرب إلكترونية خلال عرض عسكري في أكتوبر الماضي.
وامتد هذا التحديث ليشمل القوات البحرية، حيث تُعد مدمرات فئة «تشوي هيون» مثالًا بارزًا، رغم أنها تخدم أهدافًا سياسية أكثر من كونها أدوات تفوق بحري. فهذه السفن، وإن كانت عرضة للهجوم في أعالي البحار، قادرة على حمل صواريخ باليستية تكتيكية وصواريخ كروز للهجوم البري.
أما مستقبل سلاح الجو، فلا يزال غير واضح، إذ سيُظهر مدى قدرة بيونغ يانغ على تجاوز أسطولها الحالي من طائرات ميغ-21 وميغ-29 وسو-25، وكيف ستواجه خطط الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لاعتماد المقاتلات الشبحية في ضربات استباقية.
وتخلص The Interpreter إلى أن تحديث الترسانة التقليدية لا يتعارض مع سعي كوريا الشمالية لتعزيز ردعها النووي، بل قد يدعمه من خلال توفير خيارات عسكرية دون اللجوء إلى التصعيد النووي. فتعاظم تهديد المدفعية بعيدة المدى والصواريخ الباليستية قصيرة المدى يمنح بيونغ يانغ قوة ردع غير نووية، ويعزز في الوقت نفسه مكانتها لدى حلفائها خارج الإطار الروسي.
ورغم أن ميزان القوى التقليدية لا يزال لصالح سيول، فإن مؤشرات سباق التسلح تتسارع. وتشير محاولات كوريا الشمالية تطوير غواصة تعمل بالطاقة النووية، إلى جانب حصول كوريا الجنوبية على موافقة أميركية لبرنامج مماثل، إلى مرحلة جديدة من التنافس العسكري قد تتجاوز الحدود التقليدية في المستقبل القريب.






