حالة من الارتباك، تسيطر على الأوساط السياسية في ليبيا، بعد سقوط الطائرة التي كانت تقل رئيس أركان القوات التابعة للمجلس الرئاسي، الفريق أول ركن محمد الحداد، وعدد من القادة العسكريين، الأمر الذي يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول مستقبل الترتيبات الأمنية ومسار توحيد المؤسسة العسكرية، ويحمل الحادث في طياته أبعادًا تتصل مباشرة بهشاشة التوازنات القائمة، وبالدور المحوري الذي لعبه الحداد في إدارة واقع عسكري شديد التعقيد.
وفاة الحداد تطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة الليبية على مواجهة الصدمات المفاجئة، خاصة أن منصب رئيس الأركان في ليبيا لا يشبه نظيره في الدول المستقرة، بل يُعد أحد مفاتيح إدارة التوازن بين قوى مسلحة متعددة، ومؤسسات منقسمة، وسلطات تتنازع الشرعية منذ عام 2011.
كيف ردت تركيا على الحادث؟
من متابعة الملف الليبي، فإن حادث مصرع رئيس أركان القوات التابعة للمجلس الرئاسي الليبي، لا يُختزل في حادث جوي مأساوي بل يتجاوز ذلك إلى تداعيات تمس جوهر الترتيبات الأمنية ومسار توحيد المؤسسة العسكرية في بلد لم يتعافَ بعد من انقسام السلاح والشرعية.
وذكرت قناة (إن.تي.في) التركية أنه تم فقدان إشارة الاتصال اللاسلكي لطائرة خاصة يُعتقد أنها كانت تقل رئيس أركان الجيش الليبي محمد علي أحمد الحداد فوق العاصمة التركية أنقرة، وأن بيانات لتتبع الرحلات الجوية أظهرت تحويل مسار الرحلات الجوية بعيدًا عن مطار إيسنبوجا في أنقرة. من جهته، أعلن وزير الداخلية التركي، علي يرلي قايا، انقطاع الإشارة اللاسلكية مع طائرة تقل رئيس أركان الجيش الليبي و4 آخرين.
وكتب وزير الداخلية التركي عبر حسابه على موقع إكس: «انقطع الاتصال في الساعة 20:52 من مساء اليوم مع طائرة فالكون 50، رقم 9H-DFJ، والتي أقلعت من مطار أنقرة إيسنبوغا في الساعة 20:10 متجهة إلى طرابلس».
وكانت تركيا قد أعلنت أن الصندوق الأسود الخاص بالطائرة التي تحطمت، مساء الثلاثاء، قرب أنقرة، وقتل جميع ركابها، بمن فيهم رئيس الأركان العامة بحكومة الوحدة الليبية، وعدد من مرافقيه، سيُحلل في دولة محايدة. وقال وزير النقل التركي، عبد القادر أورال أوغلو، عبر منصة إكس«سيجري تحليل مسجل الصوت ومسجل بيانات الرحلة لتحديد سبب تحطم الطائرة في دولة محايدة» بعد الفحص الأولي.
مسيرة رئيس الأركان الليبي
ولد محمد علي أحمد الحداد، بمدينة مصراتة الليبية، ويحمل رتبة فريق اول ركن، ويتولى منصب رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بحكومة الوحدة. برز الفريق محمد الحداد كقيادي ميداني بارز عقب أحداث عام 2011. وقبل توليه المناصب العليا في الدولة، عُرف بقيادته لـ«لواء الحلبوص»، وهو أحد أكبر وأهم التشكيلات العسكرية في مدينة مصراتة، والذي لعب دورًا محوريًّا في العديد من العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة الغربية.
جاء التحول الأبرز في مسيرة محمد الحداد المهنية في 29 أغسطس/آب 2020، عندما أصدر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني آنذاك، فايز السراج، قرارًا بتعيينه رئيسًا للأركان العامة للجيش الليبي، وترقيته إلى رتبة فريق أول. استمر الحداد في منصبه عقب تشكيل حكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، حيث حظي بثقة السلطة التنفيذية الجديدة، واستمر في أداء مهامه كأعلى سلطة عسكرية في المنطقة الغربية من البلاد.
ليبيا تمر بمرحلة انسداد سياسي
ويرى محللون أن حساسية رئاسة الأركان في ليبيا لا تقتصر على البروتوكول العسكري أو الرتبة الرفيعة، بل تنبع من طبيعة الواقع الليبي المعقد. فمنذ عام 2011، لم يتمكن الجيش الليبي من إعادة بناء هيكله الموحد، وظل مشهداً عسكرياً متشرذماً يضم وحدات نظامية وتشكيلات مسلحة مختلفة، لكل منها أجندتها ونفوذها.
الضابط والمحلل العسكري عادل عبد الكافي يوضح أن رئيس الأركان في ليبيا لا يقود جيشاً بالمعنى التقليدي، بل “يدير واقعاً عسكرياً متشظياً”. هذا يعني أن دوره الأساسي أصبح التنسيق والاحتواء بين هذه القوى المتنافسة، بدلاً من إصدار الأوامر العسكرية المباشرة. المنصب تحول إلى موقع لإدارة التوازنات، مما يجعله محوراً رئيسياً للصراع السياسي. حسب وكالات.
الناشط السياسي رمضان معيتيق يرى أن ليبيا تمر بمرحلة انسداد سياسي، مما يجعل أي فراغ في موقع سيادي عرضة للاستغلال من قبل مختلف الأطراف مؤكدًا أن الحادث لا يقود تلقائياً إلى انفجار أمني، ولكنه يفتح المجال لإعادة تموضع القوى المتنافسة. الخطر الحقيقي، بحسبه، لا يكمن في غياب شخص، بل في غياب توافق سياسي واضح يضمن استمرارية المؤسسات بعيداً عن الاعتبارات الشخصية. هذا التوافق ضروري لملء الفراغ القيادي بشكل يضمن الحفاظ على الاستقرار.
ارتباط الملف العسكري بالمسارات الدولية
ويرى المحلل السياسي حازم الرايس أن شاغل هذا المنصب يلعب دوراً محورياً في التوازن بين المجلس الرئاسي، والحكومة، والقوى المسلحة. لم يعد رئيس الأركان مجرد قائد عسكري، بل أصبح جزءاً من منظومة إدارة الاستقرار في البلاد، مشيرًا إلى أن حساسية الموقع تزداد في ظل ارتباط الملف العسكري بالمسارات الدولية، مما يجعل أي تغيير فيه محاطاً بحسابات داخلية وخارجية معقدة. هذا الارتباط الدولي يضع رئيس الأركان تحت ضغوط إضافية لضمان توافق الإجراءات العسكرية مع الأهداف السياسية الأوسع.
وحسب وكالات، كشف الرايس أن هذا الواقع يضع رئيس الأركان أمام تحدي إدارة النفوذ المسلح دون امتلاك أدوات الدولة الكاملة، مما يجعل المنصب عرضة للاهتزاز عند غياب شخصية قادرة على إدارة هذه الشبكة المعقدة. إن تحقيق التكامل بين هذه التشكيلات المسلحة وضمان خضوعها لسلطة الدولة المركزية يمثل تحدياً كبيراً. الأمن في ليبيا يعتمد بشكل كبير على نجاح هذا المسعى.
في المقابل، يشير عبد الكافي إلى أن المؤسسة العسكرية لم تتوقف عن العمل بعد الحادث، مما يعكس وجود حد أدنى من الاستمرارية. لكنه يؤكد أن الحفاظ على هذا التماسك يتطلب قرارات سياسية واضحة وسريعة. إن تعيين رئيس أركان جديد يتمتع بالكفاءة والخبرة والثقة اللازمة أمر بالغ الأهمية.






