تسارعت وتيرة المواقف الدولية تجاه الأزمة الليبية بعد أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن إجراءات مرتقبة ضد الأطراف التي تعرقل المسار السياسي.
هذه الخطوة عكست إصرار المجتمع الدولي على إنهاء المراحل الانتقالية المتكررة وفتح الطريق أمام انتخابات وطنية شاملة. وبينما يراها مراقبون وسيلة ضغط قد تغيّر قواعد اللعبة، يحذر آخرون من أن جدواها مرهونة بمدى جدية القوى الكبرى في فرض العقوبات وتطبيق الضمانات الأمنية.
خطة أممية وضمانات تنفيذ
أوضحت البعثة الأممية أن الخطة الجديدة تهدف إلى دفع الأطراف الليبية للالتزام بخارطة الطريق عبر آليات محاسبة واضحة، أبرزها فرض عقوبات على المعرقلين.
وأكدت أن هذه الخطوة لا تستهدف طرفًا بعينه بقدر ما ترسل رسالة تحذير شاملة بأن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي محاولات لتعطيل المسار.
شددت البعثة على أن فرض العقوبات ليس قرارًا منفردًا بل يحتاج إلى توافق دولي واسع، مؤكدة أنها تعمل مع شركاء إقليميين ودوليين لضمان عدم إفلات أي جهة من المحاسبة.
وأعلنت أنها ستواصل رفع تقارير دورية عن التقدم والتحديات، تتضمن تسمية الجهات المعرقلة وطلب التدخل عند الضرورة.
«الحوار المهيكل» والمشاركة الواسعة
أكدت البعثة أن الحوار المهيكل يمثل إحدى الركائز الأساسية في خطتها الجديدة، إذ يضمن مشاركة واسعة لا تقتصر على السياسيين بل تشمل منظمات المجتمع المدني والنساء والشباب. الهدف من ذلك، بحسب البعثة، هو معالجة جذور الأزمة وليس الاكتفاء بترتيبات شكلية بين النخب السياسية.
في سياق متصل، كشفت البعثة عن إعادة تنشيط مسار برلين بالتعاون مع ألمانيا بعد سنوات من الجمود. وتأتي هذه الخطوة بهدف توحيد المواقف الدولية ومنع تضارب الأجندات الخارجية، بما يساهم في دعم العملية السياسية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
تحدي التشكيلات المسلحة
من بين أبرز القضايا التي توليها الخطة أهمية قصوى مسألة نفوذ التشكيلات المسلحة، حيث أكدت البعثة أن حماية أي حكومة جديدة من التدخلات غير المشروعة تمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح العملية.
وأشارت إلى أن الحوار المرتقب سيتطرق للأسباب العميقة وراء انتشار السلاح، بما في ذلك الانقسام المؤسسي وضعف الرقابة وغياب الفرص الاقتصادية للشباب.
تواصل البعثة اتصالاتها المباشرة مع القيادات الأمنية والسياسية لضمان عدم استخدام القوة أو التهديد بها.
كما تعمل على وضع ترتيبات أمنية شاملة لتأمين العملية الانتخابية، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين، منعًا لتكرار سيناريوهات الفشل السابقة.
حدود الصلاحيات الأممية
ردًا على الجدل بشأن الصلاحيات الدولية، أوضحت البعثة أن دورها يقتصر على تسهيل العملية السياسية التي يقودها الليبيون أنفسهم، وأنها لا تملك سلطة فرض حكومات أو إقالتها.
وأكدت أن صلاحياتها تستند إلى قرارات أممية تركز على الوساطة والدعم الفني، فيما تظل العقوبات أو التدابير القسرية بيد مجلس الأمن والدول الأعضاء.
انتخابات واستعادة الشرعية
في ختام بيانها، شددت البعثة على أن الهدف النهائي هو الوصول إلى انتخابات وطنية شاملة تعيد الشرعية لمؤسسات الدولة وتوحدها.
وأكدت أن المجتمع الدولي سيظل مستعدًا لاستخدام كل الأدوات المتاحة لردع المعرقلين، معتبرة أن التزام الأطراف الداخلية وتماسك الدعم الدولي عنصران أساسيان لنجاح المسار.
ويرى مراقبون أن التلويح بالعقوبات قد يشكل نقطة تحول، لكنه يظل مرهونًا بمدى استعداد القوى الكبرى لتطبيقه عمليًا، خاصة أن بعض الأطراف المحلية تعتمد على دعم خارجي يوفر لها مظلة حماية.
تجارب السنوات الماضية أظهرت أن مجرد التهديدات الأممية لم تكن كافية لردع المعرقلين، وهو ما يثير مخاوف من تكرار نفس السيناريو إذا لم يقترن الكلام بخطوات عملية على الأرض.
يشدد محللون على أن تعزيز مشاركة المجتمع المدني والشباب يمثل عنصرًا حاسمًا لكسر احتكار النخب السياسية للعملية، كما يمنح العملية زخماً شعبياً قد يساعد في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.
التحدي الأمني عقبة كبرى
ووفقا للخبراء، فمن دون السيطرة على التشكيلات المسلحة، ستبقى أي عملية انتخابية عرضة للتعطيل. فالتفاهمات السياسية قد تنهار في أي لحظة أمام سطوة السلاح وغياب مؤسسات أمنية موحدة.
وأكد الخبراء أيضا أن نجاح الخطة الأممية يعني بداية مسار جديد نحو الاستقرار، لكن فشلها قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الفوضى تُعيد ليبيا إلى دائرة الصراع والانتقالات المتكررة.






