يبدو أن مقتل عدد من قادة حركة «حماس» لم يغيّر بعد المسار السياسي الذي تنتهجه الحركة، إذ تواصل إرسال وفودها إلى المفاوضات الجارية في الدوحة رغم محاولات إسرائيل المتكررة لاستهداف هذه الوفود أو رموزها، وعلى رأسهم خليل الحية، الذي أصبح شخصية محورية في قيادة الحركة بعد اغتيال إسماعيل هنية ويحيى السنوار. الحية الذي يقود المفاوضات في هذه المرحلة يُمثّل الثقل السياسي الأبرز لـ«حماس» في الخارج، ويحاول الموازنة بين خطاب المقاومة والواقع الصعب الذي يعيشه القطاع المحاصر والمُدمر بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عامين.
تمسك حماس بخيار الضربات الرمزية
السؤال المطروح اليوم هو: هل ستواصل «حماس» التفاوض بجدية من أجل التوصل إلى هدنة؟ المؤشرات تفيد بأن الحركة، رغم الضربات القاسية التي طالت بنيتها القيادية والعسكرية، لا تزال ترى في المفاوضات وسيلة لتثبيت مكاسب سياسية أو ميدانية، أكثر منها فرصة لإنهاء الحرب بشكل كامل. فالحية نفسه يؤكد أن عملية السابع من أكتوبر كانت تهدف إلى «أسر عدد من الجنود لمبادلتهم بالأسرى»، ما يعكس أن منطق الحركة لا يزال قائماً على مبدأ المقاومة بوصفها ورقة ضغط، وليس كخيار استراتيجي لتحقيق سلام دائم.
مع ذلك، يواجه هذا الموقف انتقادات متزايدة. إذ يرى كثيرون أن استمرار تمسك «حماس» بخيار الضربات الرمزية، بعد تدمير واسع لقطاع غزة واستشهاد أكثر من 64 ألف فلسطيني وفق وزارة الصحة في غزة، يعكس انفصالاً بين القيادة السياسية والعسكرية للحركة وبين الواقع الإنساني المرير الذي يعيشه المدنيون. فالمقاومة التي تُصوّرها «حماس» كأداة لإحياء القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، باتت تُنتج أثماناً بشرية هائلة وتزيد من عزلة سكان القطاع ومعاناتهم اليومية.
التمسك بالمقاومة
من جهة أخرى، تلعب الظروف الإقليمية والدولية دوراً محورياً. «حماس» لا تتحرك في فراغ، بل هي جزء من محور مدعوم من إيران وحلفاء آخرين، وهذا يقيّد خياراتها ويجعلها أكثر ميلاً للاستمرار في تبني خطاب المقاومة حتى وإن دخلت المفاوضات. هذا التناقض بين الانخراط في محادثات هدنة وبين التمسك بسردية المقاومة هو ما يضع الحركة تحت ضغط مضاعف: فهي مطالبة من المجتمع الدولي بتقديم تنازلات إنسانية وسياسية لوقف الحرب، لكنها في الوقت ذاته تحاول أن تحافظ على صورتها كحركة مقاومة لا تتراجع أمام الاحتلال.
يبدو أن «حماس» ستواصل التفاوض مع إسرائيل بشأن هدنة، ولكن على قاعدة «إدارة الصراع» لا إنهائه. فهي تدرك أن وقف إطلاق النار قد يمنحها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، لكنها لا تُبدي استعداداً حتى الآن للتخلي عن خيار المواجهة المسلحة كوسيلة لتحقيق أهدافها. هذا التردد بين التمسك بالمقاومة وبين الدخول في تسويات سياسية يثير تساؤلات عميقة حول قدرة الحركة على موازنة شعاراتها مع الكلفة الإنسانية الباهظة التي يتحملها سكان غزة يومياً.






