باريس ــ في زيارة رسمية له إلى بكين منذ الأربعاء، يدعو إيمانويل ماكرون إلى “التغلب” على الخلافات مع الصين ، حسب عناوين صحيفة فرانس إنفو الصادرة يوم الخميس 4 ديسمبر/كانون الأول. ومع ذلك، فإن نقاط الاحتكاك المذكورة واضحة: ” الحرب في أوكرانيا واختلال التوازن التجاري بين أوروبا والصين ” .
خلال لقائهما يوم الخميس، دعا إيمانويل ماكرون شي جين بينغ إلى تجاوز خلافاتهما. وصرح الرئيس الفرنسي : نختلف أحيانًا، لكن تقع على عاتقنا مسؤولية معرفة كيفية تجاوزها، وإيجاد آليات للتعاون ” . وأكد نظيره الصيني استعداده للتعاون مع فرنسا ” لمنع أي تدخل، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وفرنسا «
أوكرانيا في قلب المناقشات الفرنسية الصينية
تظهر الحرب في أوكرانيا كموضوع متكرر في المناقشات بين رئيسي الدولتين. ” خلال زيارته السابقة إلى بكين عام ٢٠٢٣، دعا إيمانويل ماكرون شي جين بينغ إلى إعادة روسيا إلى رشدها”، وتكرر هذا الطلب يوم الخميس، كما تابعت الصحيفة المسائية: ” يجب أن نواصل التعبئة من أجل السلام والاستقرار في العالم. ومن أوكرانيا إلى مختلف مناطق العالم المتضررة من الحرب، فإن قدرتنا على العمل معًا أمر بالغ الأهمية “، أكد الرئيس الفرنسي، عقب اجتماع محدود وقبل مناقشات أوسع .
مع ذلك، نفى الرئيس الصيني ” أي مسؤولية عن الحرب المستعرة في أوروبا “، وفقًا لصحيفة “ليكسبريس ” . ورغم تأكيده على أن ” الصين تدعم جميع جهود السلام وستواصل القيام بدور بنّاء في إيجاد حل للأزمة “، إلا أنه أصرّ أيضًا على ” معارضة أي محاولة غير مسؤولة لإلقاء اللوم على أي طرف أو تشويه سمعته ”
لا يزال النزاع الدائر حول الحرب في أوكرانيا عميقًا لأن ” أوروبا ترغب في أن تستخدم الصين نفوذها لإنهاء الحرب الدائرة على حدودها “، كما توضح صحيفة ليبيراسيون . ” تزعم الصين باستمرار رغبتها في السلام، لكنها لم تُدِن قط غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 ” . وأضافت الصحيفة الفرنسية: ” بصفتها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا لروسيا، تُعدّ الصين أكبر مشترٍ عالميًا للوقود الأحفوري الروسي. ويتهمها بعض الأوروبيين بتزويد موسكو بمكونات عسكرية “.
شراكة معقّدة بين التعاون والمنافسة
اعتبرت صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية أنّ ستة عقود من التبادلات بين بكين وباريس شكّلت مسارًا استثنائيًا في العلاقات الدولية، مشيرةً إلى أنّ فرنسا والصين، رغم التحوّلات الكبرى التي طرأت على كل منهما منذ عام 1964، حافظتا على روح الشراكة والعمل المشترك. وقالت الصحيفة إنّ رؤية باريس المبكرة للاستقلال عن المظلّة الأمنية الأمريكية سمحت لها بفتح هامش تعاون واسع مع الصين، رغم اختلاف النظامين السياسي والاقتصادي.
وأضافت “غلوبال تايمز” أن الصين، التي أصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تنظر إلى العلاقة الفرنسية الصينية باعتبارها نموذجًا للتعاون القائم على الاعتراف بالاختلافات واحترامها. فالبلدان، وفق الصحيفة، كانا على مدار عقود شريكين في مجالات، ومتنافسين في أخرى، لكنهما أدركا أن هذا التنوع لا يفسد طبيعة العلاقة بل يعززها.
وفي سياق تناولها لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لبكين في أبريل الماضي، قالت الصحيفة إنّ عبارته “هناك الكثير مما يتعين علينا القيام به معًا” تعكس رغبة فرنسية في توسيع مجالات التعاون، لاسيما في ملفات المناخ، والتنمية الإفريقية، وتسويات النزاعات الدولية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والأزمة في غزة.
وتابعت “غلوبال تايمز” أن باريس وبكين تختلفان في بعض الملفات، إلا أن فرنسا اختارت الحفاظ على قنوات التواصل وعدم السير وراء النهج الأمريكي في التعامل مع الصين. فالقيادة الفرنسية ترى أن الناتو منظمة تُعنى بأمن شمال الأطلسي ولا صلة للصين بها، وترفض إدراج بكين ضمن أجندته. كما تشدد باريس على أن سياستها تجاه الصين يجب أن تكون مستقلة عن توجهات واشنطن.
وفي ملف الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، أشارت الصحيفة إلى أنّ التطورات منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عقدت قدرة أوروبا على تبني نهج مستقل بالكامل، إذ التزمت الدول الأوروبية عمليًا بسياسات الناتو، ما أسهم في تجميد النقاش حول الاستقلالية. غير أن “غلوبال تايمز” نقلت عن خبراء قولهم إنّ هذا الواقع قد يتغير إذا عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي قد يدفع أوروبا مجددًا إلى إعادة التفكير في علاقتها بالولايات المتحدة.
وحول الضربات الأمريكية البريطانية على الحوثيين، ذكرت الصحيفة أنّ فرنسا رأت أن هذا الخيار العسكري لن يحقق نتائج رادعة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، ولذلك اختارت الاكتفاء بحماية الملاحة في البحر الأحمر دون المشاركة في الهجمات، تجنبًا لانزلاق أكبر في اليمن والمنطقة.
وفي قراءتها prospects لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا خلال عام 2024، نقلت “غلوبال تايمز” عن متحدثين فرنسيين أن تحقيق هذا الهدف يبدو صعبًا للغاية في ظل رفض الغرب إرسال قوات، مقابل استمرار الدعم العسكري المحدود لكييف. وترى الصحيفة أن أوروبا تبقى المتضرر الأكبر من إطالة أمد النزاع بسبب تداعياته الاقتصادية والأمنية.
وفي ما يتعلق بالتوتر الأمريكي–الصيني، قالت الصحيفة إنّ باريس تنظر إلى الصراع بين واشنطن وبكين بوصفه صراعًا على المكانة الدولية، وليس نتيجة اختلاف الأنظمة. فالصعود الصيني يثير قلق الولايات المتحدة، لكنه لا يشكل إشكالًا بالنسبة لفرنسا، التي كانت في ثمانينيات القرن الماضي أغنى من الصين، قبل أن تنقلب المعادلة لاحقًا، من دون أن يمنع ذلك استمرار العلاقات الثنائية وتطورها.
وختمت “غلوبال تايمز” بأن تحويل الصين إلى “عدو منهجي” في الخطاب الأوروبي ليس توصيفًا دقيقًا للواقع، رغم وجود منافسة اقتصادية واضحة. فالصين—بحسب ما تنقله الصحيفة عن الخبراء—شريك ومنافس في آن واحد، لكن التعامل معها كتهديد وجودي يعكس توجهات سياسية وإعلامية متشددة أكثر مما يعكس مصالح واقعية. وترى الصحيفة أن انفتاح الأسواق الصينية بشكل أكبر يمكن أن يعود بالنفع على المنتجين الفرنسيين، ويقلّص التوترات التجارية، ويمهّد لعلاقة أكثر توازنًا في السنوات المقبلة.






