يعود لبنان مجددًا إلى واجهة القلق الدولي، ليس فقط لأنه أصبح ساحة لتصعيد عسكري مع إسرائيل، بل باعتباره عقدة توازن دقيقة بين منطق الدولة ومنطق السلاح، ويعكس الاجتماع الرباعي المنعقد في باريس، بمشاركة فرنسا والسعودية والولايات المتحدة ولبنان، أهمية المرحلة المقبلة في لبنان الذي يشهد توترًا، في ظل الصراع بين حزب الله والدولة من جهة، وإسرائيل التي تواصل قصف الجنوب، بحجة محاربة حزب الله، والمطالبة بنزع سلاح الفصيل المسلح.
تعكس التحركات الغربية، قراءة ترى في لبنان الحلقة الأضعف في سلسلة الاشتعال الإقليمي، خصوصًا في ظل تهديدات إسرائيلية متكررة، وعجز واضح في آلية مراقبة وقف الأعمال العدائية عن ضمان استدامة الهدوء، لكن جوهر الاجتماع يتجاوز مسألة ضبط التصعيد، إلى جانب مخاوف الإطاحة باتفاق وقف النار مع لبنان.
خطر داهم يهدد لبنان
وحسب الشرق الأوسط، تفيد مصادر فرنسية بأن باريس تشعر بخطر داهم محدق بلبنان، في ظل تهديدات إسرائيلية معلنة ومتواترة بالعودة إلى الحرب. وتقول مصادر مطلعة في باريس إن اجتماع الخميس يندرج في إطار ثلاث أولويات رئيسية؛ أُولاها النظر في عمل آلية «الميكانيزم» المنوطة بها مهمة مراقبة وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان، والنظر في تطويرها.
ويمثّل لجم التصعيد الإسرائيلي في لبنان الأولوية الثانية للاجتماع الذي يشارك فيه قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل الذي سيقدم عرضاً للجهود اللبنانية لحصر السلاح في يد الدولة. أما الأولوية الثالثة فتتعلق بما ستقوله الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس بخصوص خطط بلادها في لبنان.
ومع تنامي نفوذ “حزب الله” وقدراته العسكرية، وتحسبًا من استخدامها في وجه الدولة اللبنانية بناءً على تجارب سابقة، اتجهت الدول الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية عبر تعزيز قدرات القوات المسلحة وقوات الأمن اللبنانيين، وهو ما تم التعبير عنه في العديد من تصريحات المسئولين بالتشديد على أهمية الحفاظ على سيادة الدولة ضد السلاح غير الشرعي لحزب الله الذي يهدد الاستقرار الداخلي. حسب مركز المستقبل.
مواجهة تهديدات التنظيمات المتطرفة
وفي السياق نفسه، تعزز الولايات المتحدة من قدرات الجيش اللبناني لمواجهة التهديدات الخارجية المتمثلة في التنظيمات المتطرفة، والتي نجحت في خلق كيانات وموالين لها في الداخل اللبناني، خاصة المناطق الحدودية، مما دفع الجيش للقيام بعمليات نوعية لتطهير أراضيه، من أبرزها عملية تطهير جرود عرسال من داعش وجبهة النصرة في يوليو 2017.
وتسعى الدول الغربية لتعزيز قدرات الجيش اللبناني لضبط الحدود البرية تحديدًا، وهو ما دللت عليه نوعية المعدات والأسلحة المقدمة، وذلك بمنع تسلل العناصر المسلحة بين سوريا ولبنان، خاصة قوات “حزب الله”، في إطار سعيها لإضعاف نظام بشار الأسد الذي يعتمد على القوات الأجنبية من سوريا وإيران. ويُشار في هذا الصدد إلى ما تم تداوله مؤخرًا عن السماح للإيرانيين بالدخول للبنان عبر مطارها الجوي بدون ختم جوازاتهم بالتأشيرة اللبنانية، مما يسهل انسياب المقاتلين والمسئولين العسكريين من إيران إلى سوريا، وهو الأمر الذي توليه الولايات المتحدة أولوية في حصارها لإيران، وتقليص نفوذها العسكري في المشرق العربي.
تسعي الولايات المتحدة لترسيم الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية، وهو الأمر الذي أثار توترًا بين الجانبين إثر إعلان بيروت تلزيم مناطق امتيازات لشركات بترول أوروبية وروسية في مياهها الإقليمية بالبحر المتوسط، وإعلان تل أبيب أن تلك المناطق متنازع عليها، وبالتالي كثفت واشنطن من تحركاتها لتسوية ذلك الملف، كان آخرها تلقي لبنان في مطلع يونيو الماضي عرضًا أمريكيًّا بحل النزاع البري والبحري مع إسرائيل بما فيه مزارع شبعا المحتلة، وهو الأمر الذي لم يتم استكماله، ولا يزال قيد التفاوض. حسب مركز المستقبل.
منع التسلل عبر الحدود اللبنانية السورية
وتخطط تل أبيب لخلق مناطق آمنة على حدودها، سواء مع لبنان أو سوريا، خاصة بعد تزايد نشاط القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها، وعلى رأسها “حزب الله”، وهو ما دفع روسيا للتأكيد على ضرورة إخلاء سوريا من الميليشيات غير الشرعية لتمكين سيادة الدولة، وبما يمنع التهديدات الموجهة إلى الأراضي الإسرائيلية عقب تصاعد التوتر مع طهران.
وفي هذا السياق، يُعد تسليح الجيش اللبناني عنصرًا مهمًّا في تلك الخطة الساعية لتأمين إسرائيل، وللوقوف ضد أي ممارسات في هذا الصدد من الميليشيات المسلحة التي تتسلل عبر الحدود اللبنانية السورية، ودرء أي محاولات من الداخل اللبناني لتوجيه ضربات عسكرية للأراضي الإسرائيلية، الأمر الذي سيجر القوات النظامية اللبنانية الإسرائيلية لمواجهة عسكرية مباشرة.
تُولي دول الاتحاد الأوروبي الاهتمام بتعديل موقف لبنان المندفع نحو تسوية ملف اللجوء السوري على أراضيها عبر ترحيلهم على دفعات لسوريا، مما أثار حفيظة بعض المنظمات الدولية باعتبار أن ما يحدث تهجير قسري وليس طوعيًّا، ويهدد حياة اللاجئين. ومن جانب آخر، ترى بعض الدول الأوروبية أن الإجراءات اللبنانية قد تزيد من الهجرة غير الشرعية إلى أراضيها. وفي هذا السياق، كثفت الدول الأوروبية من مساعداتها العسكرية والاقتصادية مؤخرًا لتسوية ذلك الملف بما لا يضر بالمصالح الأوروبية.
دعم غربي للجيش اللبناني
وتتطلع الدول الغربية إلى دور أكبر للمؤسسة العسكرية اللبنانية نظرًا لما تتمتع به من تقدير من كافة القوى السياسية في الداخل اللبناني، وستكون الدعائم الأساسية لذلك الدور ترجيح كفة الردع العسكري للدولة في مواجهة تنامي قدرات “حزب الله” العسكرية، لمنع أي ضغوط من الحزب لتحقيق مصالح سياسية في الداخل اللبناني، أو تجاه ملفات إقليمية مثل: التقارب مع سوريا، وحرية انتقال المقاتلين عبر الحدود.
فضلًا عن ممارسة الجيش لدوره في تحقيق السلم والأمن وضبط الحدود مع دول الجوار، الأمر الذي يزيد من نفوذ المؤسسة العسكرية، وبالتالي تغيير موازين القوى في الداخل اللبناني، ويُحيِّد أثر السلاح غير الشرعي كورقة يستخدمها “حزب الله” للضغط من أجل تحقيق مصالحه السياسية ذات الأبعاد الإقليمية.






