يعكس مشروع القانون الجديد الذي أقرته لجنة الوزراء الإسرائيلية، والقاضي بمنح الحكومة المنتخبة صلاحية إقالة كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية والخدمة المدنية خلال أول 100 يوم من توليها السلطة، حالة من الانقسام المتفاقم داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، ويشكّل مؤشرًا على توجه أكثر راديكالية نحو “تسييس الدولة” ومؤسساتها.
المشروع، الذي واجه معارضة صريحة من المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، يكشف عن تعمّق الفجوة بين التيار السياسي الحاكم، بزعامة شخصيات يمينية متطرفة كإيتمار بن غفير، وبين مؤسسات الدولة التقليدية التي طالما حافظت على قدر من الاستقلالية في صنع القرار، خاصة في الملفات الأمنية. التحذير الذي أطلقته المستشارة القانونية بشأن “تسييس المناصب العليا” لا يعبّر فقط عن موقف قانوني، بل يحمل رسالة ضمنية بأن ما يجري هو محاولة منظمة لإخضاع الدولة العميقة لمشيئة السياسيين، حتى على حساب الكفاءة والاستقرار المؤسسي.
الحكومة الإسرائيلية تتبنى منهج تصفوي
في هذا السياق، تبدو الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو وكأنها تتبنى منهجًا تصفويًا تجاه من لا ينسجم مع رؤيتها الأيديولوجية، خصوصًا في ظل تراكم الخلافات بين القيادة السياسية وبعض الأجهزة الأمنية حول إدارة الحرب في غزة، والملف الإيراني، ومستوى التنسيق الأمني في الضفة الغربية. ويُقرأ مشروع القانون الجديد على أنه رد مباشر على تلك الخلافات، ومحاولة لإعادة تشكيل القيادة المؤسسية للدولة بما يضمن ولاءها الكامل للحكومة، حتى على حساب المهنيّة والاستقلال.
دفاع بن غفير عن المشروع يعكس الروح التي تحرّك الجناح اليميني المتطرف في الحكومة، والذي يرى في “الدولة العميقة” عائقًا أمام تنفيذ مشروعه السياسي، سواء فيما يتعلق بالاستيطان، أو بإدارة الحرب والأمن الداخلي. ويعكس هذا التوجه نمطًا شبيهًا بما يُعرف في الأدبيات السياسية بتقويض مؤسسات الضبط والتوازن داخل الدولة الديمقراطية، وهي ظاهرة باتت أكثر حضورًا في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وازدادت حدّتها منذ تولي نتنياهو حكومته الحالية، المدعومة من تحالفات دينية وقومية متشددة.
تقويض الثقة
المفارقة تكمن في أن المشروع يستثني رئيس الأركان، ما يشير إلى وجود خطوط حمراء لا تزال قائمة داخل المنظومة العسكرية، أو ربما محاولات لامتصاص ردود الفعل داخل المؤسسة العسكرية تحديدًا، في ظل التوتر الكبير الذي نشأ في الفترات الماضية نتيجة انتقادات داخلية من ضباط متقاعدين وحاليين لأداء الحكومة.
هذا النوع من التشريعات يهدد بتقويض الثقة في حيادية مؤسسات الدولة، ويزرع الخوف في صفوف المسؤولين الأمنيين والمدنيين من أن قراراتهم قد تُفسّر سياسياً وتعرّضهم للعزل، وهو ما ينعكس سلبًا على الأداء المهني ويغذّي الانقسامات داخل الدولة.
التوجه السياسي الشعبوي
يتّجه المشهد الإسرائيلي نحو صدام داخلي متزايد بين الحكومة والمؤسسات، وبين التوجه السياسي الشعبوي القومي والبيروقراطية المؤسسية، في مشهد يحمل سمات أزمة نظام أكثر من مجرد خلافات سياسية، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التحديات الأمنية في الضفة الغربية والجبهات الأخرى.
هذه الديناميكية تضع إسرائيل أمام مفترق طرق حاد: إما الحفاظ على تقاليد الحكم الديمقراطي ومؤسساته المستقلة، أو الانزلاق نحو منظومة سياسية تميل إلى التحكم الكامل ومركزة السلطة بيد القادة السياسيين، حتى على حساب الدولة ذاتها.






