بعد اثني عشر عامًا من سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 2013، وتفكك بنيتها التنظيمية عقب موجة الملاحقات القانونية والانشقاقات الفكرية التي ضربت صفوفها، تسعى الجماعة اليوم إلى إعادة إنتاج نفسها من جديد عبر سلسلة تحركات داخلية وإقليمية تهدف إلى إحياء مؤسساتها المنهارة، وإعادة طرحها كفاعل سياسي في المشهد المصري، مستفيدة من تحولات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة ترتيب أولويات الملفات الإسلامية.
مخطط إحياء الشرعية التنظيمية
غير أن هذه التحركات، رغم ما تبديه من حيوية ظاهرية، تواجه واقعًا مغايرًا داخل مصر، حيث تبنّت الدولة مقاربة مختلفة في التعامل مع التنظيم، تقوم على الفصل بين المواجهة الأمنية الصارمة من جهة، والمعالجة الفكرية والمجتمعية الهادئة من جهة أخرى، بما يضمن منع عودة الفكر المتطرف إلى المجال العام.
تبدأ ملامح المحاولة الإخوانية الجديدة من الدعوة إلى عقد اجتماع تنظيمي موسع لقيادات الجماعة المقيمين في الخارج، سواء في ماليزيا أو إحدى الدول الآسيوية، بغية انتخاب مجلس شورى عام، ومن بعده مكتب إرشاد جديد يختار مرشدًا يخلف محمد بديع، القابع خلف القضبان منذ عقد من الزمن. وتبدو هذه الخطوة في ظاهرها “إدارية” لإعادة بناء مؤسسات التنظيم، لكنها في جوهرها تمثل محاولة لإحياء الشرعية التنظيمية التي فقدتها الجماعة منذ العام 2013، حين انفرط عقدها بين جناحين رئيسيين: جناح لندن الذي كان يتزعمه الراحل إبراهيم منير ثم صلاح عبد الحق، وجناح إسطنبول الذي يقوده محمود حسين.
تغير أولويات القوى الكبرى نحو الشرق الأوسط
هذا الانقسام العميق الذي ضرب الجماعة، لم يكن إداريًا فحسب، بل فكريًا واستراتيجيًا أيضًا. فكل جبهة تبنت رؤى مختلفة حول كيفية التعامل مع الدولة المصرية والعالم الخارجي: فـ”تيار لندن” حاول تبني خطاب ناعم يغازل الغرب والمنظمات الحقوقية تحت شعار “الإخوان في المنفى”، بينما ظل “تيار إسطنبول” متمسكًا بخطاب أكثر حدة، يتحدث عن “الشرعية” و”الثأر السياسي”. والآن، مع تصاعد الحديث عن انتخابات داخلية جديدة، يبدو أن التنظيم يحاول اختبار إمكانية توحيد الصفوف مجددًا، أو على الأقل إنتاج قيادة رمزية تمنحه مظهر الكيان الحي القادر على اتخاذ القرار.
من اللافت أن محاولة إحياء المؤسسات التنظيمية تأتي في توقيت بالغ الحساسية؛ فالإقليم يشهد تحولات جذرية، من حرب غزة وتداعياتها، إلى تغير أولويات القوى الكبرى تجاه الشرق الأوسط، في ظل انشغالها بملفات كبرى كأوكرانيا والصين. وتقرأ الجماعة هذا المشهد باعتباره فرصة سانحة لإعادة تموضعها عبر خطاب “الاعتدال” الموجه للغرب، وتقديم نفسها كبديل سياسي قابل للتفاوض في مرحلة ما بعد الأزمات. كما تراهن على حالة السيولة الفكرية في بعض المجتمعات الإسلامية وعلى حاجة القوى الدولية إلى “قنوات اتصال” مع تيارات الإسلام السياسي باعتبارها قوى اجتماعية قائمة في بعض الدول.
عودة شبه مستحيلة
لكن قراءة المشهد الداخلي في مصر تشير إلى أن إعادة الإخوان للمشهد السياسي تبدو شبه مستحيلة في المدى المنظور. فالدولة المصرية، بعد عقد من المواجهة مع التنظيم، استطاعت أن تحوّل ملف الإخوان من “أزمة سياسية” إلى “قضية أمن قومي”، وأعادت هيكلة أدواتها القانونية والفكرية للتعامل معه بعيدًا عن الصخب الإعلامي.
السياسة المصرية تجاه الإخوان اليوم ليست مبنية على الصدام المفتوح كما في السنوات الأولى بعد 2013، بل على سياسة احتواء محسوبة، تُبقي التنظيم في نطاق السيطرة من دون السماح له بإعادة تشكيل خلاياه أو استعادة قاعدته الاجتماعية.
وقد اتخذت القيادة المصرية، منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، مقاربة شاملة تتجاوز البعد الأمني، فعملت على:
تجفيف المنابع التنظيمية والمالية للجماعة داخل البلاد عبر آليات قانونية وضريبية ومصرفية.
تفكيك البنية الدعوية والتعليمية التي كانت تمثل الرافعة الفكرية للإخوان في النقابات والمدارس والجامعات.
إعادة بناء الخطاب الديني الرسمي على أسس الوسطية والعقلانية، لتقويض الفضاء الفكري الذي طالما استغلته الجماعة للتجنيد.
احتواء قواعد الجماعة المنسحبين من التنظيم داخل برامج إعادة دمج اجتماعي وفكري، دون ضجيج سياسي، في إطار سياسة “الفصل بين الأيديولوجيا والانتماء”.
رسائل الإخوان للخارج ومعضلة التصنيف الإرهابي
هذه المقاربة جعلت الدولة المصرية أكثر ثقة وهدوءًا في التعامل مع ملف الإخوان، فلم تعد تعتبر كل عضو في التنظيم خطرًا وجوديًا، بل تفرّق بين مستويات الانتماء والأدوار، في حين تبقي على تصنيف الجماعة ككيان إرهابي بحكم القضاء والقانون.
وفي المقابل، فإن الجماعة، التي تعيش منذ سنوات على “المنفى الإعلامي”، تحاول صناعة انطباع بوجودها عبر بث أخبار عن انتخابات داخلية أو إعادة هيكلة تنظيمية، لإيصال رسائل إلى الخارج — خاصة إلى الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية — بأنها ما زالت موجودة ويمكن الاعتماد عليها كقوة سياسية معتدلة في مواجهة التنظيمات الأكثر تطرفًا.
لكن المشهد الواقعي يشي بعكس ذلك؛ فالجماعة لم تعد تمتلك قوة حركية أو قاعدة اجتماعية فاعلة داخل مصر، بعد أن تلاشت بنيتها التنظيمية، وتراجعت قدرتها على التمويل والتجنيد، وتفككت شبكاتها الإعلامية والحقوقية في الخارج. كما أن صراعاتها الداخلية بين جناح لندن وإسطنبول، ثم بين صلاح عبد الحق وحلمي الجزار ومحمود حسين ومحيي الدين الظايط، تعكس أزمة هوية وتنظيم عميقة، لم تستطع الجماعة تجاوزها رغم مرور أكثر من عقد على سقوطها السياسي.
استعادة الشرعية المفقودة
من ناحية أخرى، فإن القيادة المصرية تتعامل مع أي تحرك إخواني جديد وفق مبدأ الرصد الهادئ دون تهويل أو تساهل. فالأجهزة المعنية تتابع التحركات التنظيمية في الخارج، وتعمل على تفكيك أي محاولات لإعادة التواصل مع الداخل، مستفيدة من خبرة تراكمت خلال السنوات الماضية في إدارة ملف التطرف عبر أدوات متعددة: أمنية، فكرية، وتنموية.
وفي الوقت نفسه، تتبنى الدولة خطابًا وطنيًا جامعًا يستوعب التيارات المعتدلة التي انفصلت فكريًا عن الإخوان، لتجفيف الحواضن المحتملة لأي إعادة إنتاج للفكر التنظيمي.
في العمق، يمكن القول إن محاولة الإخوان العودة إلى المشهد السياسي المصري ليست مجرد تحدٍّ للدولة، بل هي انعكاس لأزمة وجودية داخل التنظيم نفسه. فبعد أن فقد الجماعة قدرتها على التأثير في الداخل، باتت تسعى إلى إثبات حضور رمزي أمام جمهورها في الخارج، وطمأنة داعميها بأنها لا تزال كيانًا قائمًا. ومن هنا يمكن تفسير الحديث عن “الانتخابات الداخلية” و“مجلس الشورى العام” كنوع من التمثيل الرمزي لاستعادة الشرعية المفقودة أكثر منه تحركًا تنظيمياً حقيقياً.
القضاء على الجماعة فكريًا وتنظيميًا
أما على مستوى السياسة المصرية، فإن التعاطي مع هذا الملف يأتي ضمن رؤية متكاملة للأمن القومي، لا ترى في الإخوان مجرد جماعة معارضة، بل مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، يتقاطع مع مصالح إقليمية وتنظيمات متطرفة أخرى. ولهذا السبب، تعمل الدولة على مواجهة هذا المشروع من جذوره الفكرية والتنظيمية والتمويلية، دون الانجرار إلى معارك إعلامية تُكسب الجماعة حضورًا مجانيًا.
في المحصلة، يمكن القول إن الإخوان يعيشون اليوم حالة من “المنفى الوجودي” لا السياسي فقط، إذ لا مكان لهم في الداخل، ولا شرعية لهم في الخارج، فيما تمضي الدولة المصرية في طريقها نحو استقرار سياسي ومؤسسي جعل فكرة عودة الجماعة إلى المشهد تبدو بعيدة المنال.
ومع كل محاولة من التنظيم لإحياء ذاته، تبدو الدولة أكثر تماسكًا وقدرة على إدارة الملف بعقلانية وهدوء، واضعة نصب عينيها هدفًا واضحًا: ألا تعود مصر إلى زمن ازدواج السلطة أو خلط الدين بالسياسة مرة أخرى.






