تُعد اللغة الإعلامية أداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصياغة التصورات السياسية حول القضايا الدولية، إذ لا يقتصر دور وسائل الإعلام على نقل الأحداث، بل يمتد إلى اختيار المفردات والأطر التفسيرية التي تقدم من خلالها تلك الأحداث للجمهور. وفي سياق القضية الفلسطينية، يثار جدل واسع بشأن طبيعة المصطلحات المستخدمة في التغطيات الإعلامية الغربية، ومدى انعكاسها للواقع السياسي والقانوني القائم على الأرض.
وتشير انتقادات متزايدة إلى أن عدداً من المؤسسات الإعلامية الدولية تتجنب استخدام توصيفات ذات أبعاد قانونية وسياسية مباشرة، مثل “الاحتلال” أو “الاستيطان غير القانوني” أو “انتهاكات حقوق الإنسان”، وتستبدلها بمصطلحات أكثر عمومية أو حيادية، كـ”النزاع” و”التوتر” و”العمليات العسكرية” و”الإجراءات الأمنية”.
إجراءات إسرائيلية تهدف لتعزيز السيطرة على الضفة
ويرى منتقدو هذا النهج أن اختيار هذه المفردات يسهم في إعادة صياغة الأحداث بطريقة قد تخفف من وضوح السياق التاريخي والقانوني للصراع، وتؤثر في فهم الجمهور لطبيعة العلاقة بين القوة القائمة بالاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال.
ووصف تقرير “بي بي سي” الإسرائيليين الذين يستولون على الأراضي الفلسطينية بأنهم “مستوطنون”، بينما وصفت عملية احتلال الأراضي الفلسطينية على أنها “استيلاء” و”استحواذ”. بينما نشرت وكالة “أسوشيتد برس” تقريرا بتاريخ 3 فبراير/ شباط 2026، عن الاحتلال الإسرائيلي لأراض في الضفة الغربية، واصفة الأمر بأنه “إجراءات إسرائيلية تهدف لتعزيز السيطرة على الضفة الغربية”.
وبهذه الصياغة، تكون “أسوشيتد برس” قد نقلت واقع الاحتلال في الضفة الغربية عبر مفاهيم تخفف من وطأة الأمر، وذلك عبر استخدامها مصطلحات من قبيل “السيطرة” و”الإجراءات”. كما صورت وسائل إعلامية مشابهة إسرائيل على أنها “الدولة الديمقراطية العلمانية الوحيدة في الشرق الأوسط”، فيما قدمت الجيش الإسرائيلي على أنه “قوة دفاع”.
تعامل غير واقعي ومضلل
ومن الأمثلة الأخرى على التعامل غير الواقعي والمضلل لوسائل إعلام عالمية بخصوص الشأن الفلسطيني، وصفها الاعتداءات والهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين بأنها “توتر”، ونعتها احتلال أراضيهم بـ “الاستحواذ” و”الاستيلاء”. إلى ذلك، غالبا ما تتعمد وسائل إعلام غربية وصف ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين بأنها “رد بالمثل”، بينما تصور أفعال الفلسطينيين أو أطراف أخرى في المنطقة بوصفها “هجوما” أو “استفزازات” أو “عملا عدائيا”.
وبحسب دراسات وتقارير استقصائية في هذا الخصوص، فإن مصطلح “رد بالمثل” استخدم في نحو 79 بالمئة من التغطيات الإعلامية في الولايات المتحدة وبريطانيا لوصف أفعال إسرائيل، بينما لم يستخدم المصطلح نفسه سوى في 9 بالمئة فقط بالأخبار التي تناولت أفعال وممارسات الفلسطينيين.
وبهذا، يتم تقديم الهجمات الإسرائيلية تحت مسمى “رد بالمثل” ليوحي بأنها استجابة “مشروعة” و”ضرورية”. كذلك، تلجأ وسائل الإعلام الغربية في تغطياتها الإخبارية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، إلى تعبير “كلا الطرفين” بشكل متكرر، ما يوجِد انطباعا زائفا بالحياد. حسب وكالات.
محاولات “تبييض” حقيقة الاحتلال
ووفق تقرير نشرته وكالة الأناضول، يتمثل جوهر المشكلة القائمة في فلسطين، يتمثل في استمرار إسرائيل في سياسة الاحتلال منذ عام 1948، فإن وسائل الإعلام العالمية قدمت تغطيات تخفي حقيقة هذا الاحتلال، ما يسلط الضوء على كيفية تمثيل الفلسطيني في الإعلام الغربي، والإشارات المستخدمة في محاولات “تبييض” حقيقة الاحتلال عبر توظيف مصطلحات مغايرة للحقيقة،
وبحسب القانون الدولي، فإن احتلال الأراضي، وقتل المدنيين، وتهجيرهم قسرا، ومصادرة المنازل، وهدم أماكن العمل، وتدمير الأراضي الزراعية، والاستيلاء على المواشي، وفرض الحصار على الأحياء، والتقييد المنهجي لحركة الأشخاص، تعد أفعالا تصنف أنها “احتلال” و”تطهير عرقي” و”فصل عنصري”، بل ويصفها العديد من خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بأنها “إبادة جماعية”.
وفي تقرير بتاريخ 2 أبريل/ نيسان 2025، وصفت شبكة “سي إن إن” الأمريكية تصعيد إسرائيل لهجماتها في قطاع غزة بأنه “توسيع للعمليات العسكرية”، ووصفت احتلالها للأراضي بأنه “الاستيلاء عليها”، بينما تم تصوير تهجير الفلسطينيين قسرا على أنه “أمر بإخلاء المنطقة”.
فرض رقابة على مصطلحات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي
كما تجنبت وسائل الإعلام العالمية عمدا، استخدام مصطلحات مثل “الاحتلال” و”الهجوم” و”الغزو” و”المجزرة” و”الحصار” و”الإبادة الجماعية” و”التطهير العرقي” و”الفصل العنصري”، عند توصيفها ممارسات إسرائيل في هذا الخصوص، وذلك بالرغم من أن هذه المفاهيم تعد وصفا قانونيا وأخلاقيا دقيقاً لأفعال إسرائيل.
على سبيل المثال، كشفت تقارير إعلامية أن إدارة صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية فرضت رقابة على استخدام مصطلحات مثل “الإبادة الجماعية” و”التطهير العرقي” و”الأراضي المحتلة” و”المجزرة” عند توصيف أفعال إسرائيل.
في المقابل، تم تقديم التقارير التي تتناول الهجمات غير القانونية والاحتلال الإسرائيلي على أنها “عمليات” و”دفاع” و”إجراءات أمنية” و”فرض سيطرة” و”مكافحة الإرهاب”، أي باعتبارها تدابير أمنية مشروعة وضرورية لا بد منها. ومع أن القانون الدولي يعتبر إسرائيل “قوة احتلال” في فلسطين، فإن مؤسسات إعلامية مثل “بي سي سي”، و”سي إن إن”، و”نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” غالبا ما استخدمت تعبيرات مثل “المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل”، أو “الأراضي المتنازع عليها”، أو “المناطق التي يطالب الفلسطينيون بحقوق فيها”، وذلك بما يعتبر تجنبا لوصف واقع الاحتلال بشكل مباشر.
وفي هذا الإطار، نشرت شبكة “بي بي سي” البريطانية تقريرا بتاريخ 27 أغسطس/ آب 2024، بعنوان “مستوطنون إسرائيليون يستولون على أراض فلسطينية في ظل الحرب ويأملون الاستقرار بها دائما”. ويضع هذا الخطاب إسرائيل والشعب الفلسطيني الراضخ تحت الاحتلال في كفة واحدة، ما يخفي حقيقة عدم التكافؤ البنيوي، ويطمس واقع الاحتلال، ويمنع الجمهور من فهم السياق الحقيقي للأحداث بشكل دقيق.
وفيما يخص حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، استخدمت وسائل إعلام غربية بشكل متكرر توصيف “حرب إسرائيل – حماس”، لتساهم في إيجاد انطباع بأن إسرائيل تخوض مواجهة فقط مع حركة حماس، متجاهلة حقيقة أن العمليات تمتد لتشمل الشعب الفلسطيني بأسره في سياق احتلال وهجمات أوسع.




