الأرقام التي كشفتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تسلط الضوء على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية فداحة في حرب غزة: مأساة الأطفال، وخاصة أولئك الذين يواجهون أمراضًا مزمنة أو إعاقات جسدية ونفسية. فالحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 لم تكتفِ بقتل وتشريد عشرات الآلاف، بل تركت جروحًا عميقة غير قابلة للاندمال على جيل كامل يُفترض أن يكون هو مستقبل غزة.
تدمير البنية البشرية
أن يعاني أكثر من 21 ألف طفل من إعاقات جديدة، وأن يتحول أكثر من نصف المصابين في الحرب إلى ذوي إعاقات دائمة، يعني أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت عملية منظمة لتدمير البنية البشرية للمجتمع الفلسطيني. الطفل الذي يفقد القدرة على الحركة أو السمع أو البصر لن يواجه فقط تحديات يومية قاسية، بل سيُحرم من حق أساسي هو العيش بكرامة في بيئة تراعي احتياجاته.
التقارير الأممية تكشف أيضًا عن صورة قاتمة لحياة هؤلاء الأطفال: أوامر إخلاء لا تصل إلى الصم وضعاف البصر، وعمليات نزوح تُجبر فيها الأسر على جر أبنائها أو تركهم يحاولون الزحف على الرمال والوحل دون مساعدة. هذه المشاهد لا تعكس فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل تُظهر حجم العجز في توفير أبسط أشكال الحماية للفئات الأكثر هشاشة.
غياب برامج دعم نفسي
الأزمة الإنسانية تتفاقم مع القيود المفروضة على إدخال المساعدات، حيث يصبح ذوو الإعاقة الأكثر تضررًا. فقدان 83% منهم للمعدات الطبية وأدوات المساعدة يعني أن الآلاف من الأطفال بلا كراسٍ متحركة أو أجهزة سمعية أو أدوات داعمة، وهو ما يحوّل حياتهم إلى عبء يومي ويجعلهم معتمدين كليًا على الآخرين للبقاء. هنا لا نتحدث فقط عن مأساة شخصية، بل عن انهيار منظومة كاملة للرعاية الصحية والاجتماعية.
الأثر النفسي لهذه الكارثة لا يقل خطورة. الأطفال في غزة لا يعيشون فقط تحت تهديد القصف المستمر، بل يواجهون صدمة الفقدان الجسدي وما يرافقها من عجز عن الاندماج في المجتمع أو المشاركة في الحياة الطبيعية. وفي غياب برامج دعم نفسي وتعليمي متخصصة، يتزايد خطر أن يكبر هؤلاء الأطفال في عزلة، محرومين من فرص التعليم والعمل، ما يعمّق دائرة الفقر والاعتماد ويضع المجتمع بأسره أمام أزمة طويلة الأمد.
الحرب بجيل منكسر
في نهاية المطاف، مأساة أطفال غزة المرضى وذوي الإعاقات ليست مجرد قضية إنسانية هامشية يمكن تجاوزها بعد انتهاء الحرب، بل هي جرح استراتيجي يهدد حاضر ومستقبل المجتمع الفلسطيني. هؤلاء الأطفال هم العمود الفقري لأي عملية إعادة بناء، وتركهم دون رعاية أو حماية يعني أن غزة ستخرج من الحرب بجيل منكسر، يواجه مستقبلًا أكثر قسوة من حاضرها. ما يفرض على المجتمع الدولي أن يتحرك ليس فقط لإغاثتهم بشكل عاجل، بل لوضع آليات دائمة تكفل حمايتهم ودمجهم، باعتبار ذلك مسؤولية إنسانية لا تقل أهمية عن أي مسعى سياسي لإنهاء الحرب.






