يشكل التصعيد الحدودي بين لبنان وإسرائيل فصلاً جديداً من التوتر المستمر بين الجانبين، لكنه يأخذ في المرحلة الحالية دلالات تتجاوز البعد العسكري التقليدي. فقرار لبنان رفع ملف «القضم الإسرائيلي» للأراضي اللبنانية إلى مجلس الأمن الدولي يعكس انتقال الأزمة من نطاق الخلافات الميدانية المعهودة إلى مستوى المواجهة الدبلوماسية المفتوحة، في لحظة داخلية شديدة الحساسية سياسياً وانتخابياً. وقد طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من وزير الخارجية يوسف رجي تكليف البعثة الدائمة لدى الأمم المتحدة تقديم شكوى عاجلة، احتجاجاً على إقدام إسرائيل على بناء جدار إسمنتي يتخطى الخط الأزرق، بما يمثل انتهاكاً مباشراً لحدود مرسومة ومعترف بها دولياً بعد انسحاب إسرائيل عام 2000.
الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على الانتخابات النيابية
يستند لبنان في شكواه إلى تقارير «اليونيفيل» التي أكدت أن الجدار الإسرائيلي أدى إلى حرمان السكان في الجنوب من الوصول إلى أكثر من 4 آلاف متر مربع من الأراضي اللبنانية. وما يمنح هذا التحرك زخماً إضافياً هو أنه يأتي في سياق تتصاعد فيه المطالب الداخلية بضرورة استعادة الدولة زمام المبادرة في ملف السيادة الحدودية، بعدما كان هذا الملف يُترك غالباً للتفاوض الميداني غير المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي عبر قوات الأمم المتحدة. وهنا تظهر دلالتان أساسيتان: الأولى أن الدولة اللبنانية تحاول إعادة تثبيت موقعها الدستوري في إدارة النزاع الحدودي، والثانية أنها تسعى إلى تحييد هذا الملف عن الصراعات الداخلية، من خلال تحويله إلى قضية وطنية يُجمع عليها اللبنانيون بمختلف توجهاتهم.
غير أن هذه المقاربة لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي الداخلي المتوتر. فلبنان يستعد لخوض انتخابات نيابية حاسمة، هي الأولى بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي، وفي ظل خشية حقيقية من أن تعطيل هذه الانتخابات قد يعيد البلاد إلى فراغ سياسي لا قدرة لها على تحمله. وفي الأيام الأخيرة، احتدم الخلاف بين القوى السياسية حول ملفات متعددة، أبرزها تسجيل المغتربين الذي يشكل بوابة أساسية للتنافس الانتخابي. ومع تراجع مهلة تسجيل اللبنانيين في الخارج، ارتفعت حدة الاتهامات المتبادلة بين الأطراف السياسية بشأن محاولات التأثير على نتائج الانتخابات عبر تعطيل تسجيل شرائح معينة من الناخبين أو تسهيل تسجيل أخرى.
هل تستغل إسرائيل حالة الاضطراب السياسي؟
هذا التوتر الداخلي يلقي بظلاله على التعاطي الرسمي مع التعديات الإسرائيلية. فمن جهة، هناك رغبة واضحة لدى الدولة اللبنانية في إظهار أنها قادرة على الدفاع عن سيادتها رغم الانقسام الداخلي، ومن جهة ثانية هناك محاولة للاستفادة من ملف الانتهاكات الإسرائيلية لتعزيز سردية «الدولة القادرة» في لحظة انتخابية. فالتحرك باتجاه مجلس الأمن يمنح الحكومة ورئاسة الجمهورية مساحة لإعادة تأكيد دور المؤسسات الرسمية في مواجهة إسرائيل، وهو أمر لطالما كان محوراً للتجاذب بين الدولة وبين القوى التي تحتفظ بسلاحها خارج إطار الشرعية، وعلى رأسها «حزب الله».
في المقابل، فإن إسرائيل تدرك حساسية المرحلة اللبنانية الداخلية، وقد تستغل حالة الاضطراب السياسي لتثبيت وقائع جديدة على الأرض، سواء من خلال بناء الجدار أو عبر تعديلات ميدانية تهدف إلى تغيير طبيعة الحدود أو فرض مناطق عازلة بحكم الأمر الواقع. والخط الأزرق، رغم أنه ليس حدوداً رسمية، يبقى مرجعاً معتمداً من الأمم المتحدة، وبالتالي فإن تجاوزه يعرض إسرائيل لمساءلة دبلوماسية وأمنية، خصوصاً إذا تمكن لبنان من توظيف تقارير «اليونيفيل» بفاعلية. وبقدر ما يحقق التحرك اللبناني غطاءً دولياً لموقفه، بقدر ما يضع إسرائيل في موقع دولة تُحدث تغييرات أحادية، وهو ما قد يشكل رداً ديبلوماسياً محدوداً لكنه مهم في معركة تثبيت الحقوق.
يتقاطع ذلك مع معادلة أشمل تتعلق باستقرار الجنوب اللبناني. فمنذ نهاية حرب 2006، شكّل الجنوب مساحة تجاذب مستمر تُدار عبر آليات ثلاثية بين الجيش اللبناني و«اليونيفيل» والجيش الإسرائيلي. وأي تغيير أحادي – مثل بناء الجدران أو استحداث نقاط مراقبة جديدة – قد يختلّ معه ميزان الردع غير المعلن بين الجانبين. ومن هنا، فإن خطوة إسرائيل تُقرأ لبنانياً على أنها اختبار لمدى قدرة الدولة على إدارة التوتر، وعلى مدى استعداد الأطراف الداخلية لعدم تصعيد الأمور نحو اشتباك أكبر، خصوصاً أن الجنوب لطالما كان نقطة اشتعال سريعة.
أزمة انتخابية وفراغ سياسي
ومع ذلك، فإن الأزمة الداخلية اللبنانية قد تكون العامل الأكثر تأثيراً على كيفية التعاطي مع التحدي الإسرائيلي. فالمؤسسات الرسمية تواجه تراجعاً كبيراً في الموارد والقدرات، وعدم استقرار سياسي يجعل القرارات السيادية رهينة الحسابات الانتخابية. وفي المقابل، يبدو المشهد السياسي منقسماً بين من يريد إجراء الانتخابات في موعدها باعتبارها فرصة لإعادة إنتاج السلطة، وبين من يرى أن الظروف غير مناسبة للتصويت في ظل الانهيار الاقتصادي وتراجع قدرة الدولة على ضبط الممارسة الانتخابية. هذه المناخات تجعل من ملف تسجيل المغتربين أداة جديدة للصراع، إذ يدرك الجميع أن أصوات الخارج يمكن أن تعدّل بشكل ملموس في نتائج معظم الدوائر.
وفي خضم هذه التجاذبات، يصبح رفع الشكوى ضد إسرائيل جزءاً من محاولة الدولة لإعادة ترتيب أولوياتها وتأكيد مسؤوليتها الدستورية. إلا أن نجاح هذا المسار مرتبط بمدى قدرة لبنان على إدارة ملفه الداخلي، فالمجتمع الدولي ينظر إلى أي خطوة لبنانية في المحافل الدولية من خلال سياق الاستقرار الداخلي. وهذا يعني أن نزاعاً حدودياً – مهما كانت أهميته – قد لا يلقى صدى واسعاً إذا بدا أن البلاد تتجه نحو أزمة انتخابية أو فراغ سياسي. ولذلك، فإن أي رسالة يوجهها لبنان إلى مجلس الأمن يجب أن تكون مدعومة بإجماع داخلي أو على الأقل الحد الأدنى من الاستقرار المؤسساتي كي تكون ذات تأثير.
في المقابل، قد تستغل بعض القوى اللبنانية التحرك ضد إسرائيل لتأكيد رؤيتها السياسية. فجماعات سياسية لطالما بنت خطابها على مقاومة الاحتلال ترى في الانتهاكات الإسرائيلية فرصة لإعادة تذكير الجمهور بأنها محور أساسي في معادلة الأمن الوطني. فيما تسعى قوى أخرى إلى تثبيت فكرة أن الدولة وحدها هي المرجعية في قضايا الحرب والسلم، وأن تعزيز دور المؤسسات الرسمية هو الطريق الوحيد للخروج من المأزق الوطني. ويظهر هذا التباين بشكل أوضح كلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي، حيث تتكثف محاولات كل طرف لكسب النقاط الشعبية.
استعادة المبادرة من منبر مجلس الأمن
ورغم أن التحرك اللبناني باتجاه مجلس الأمن خطوة مهمة على الصعيد الدبلوماسي، فإنها وحدها ليست كافية لضمان وقف التعديات أو استعادة الأراضي. فمجلس الأمن في ظل التوازنات الدولية قد يصدر بيانات إدانة أو دعوات للتهدئة، لكنه نادراً ما يتخذ إجراءات ملزمة في قضايا النزاع اللبناني – الإسرائيلي، بسبب التدخلات المتشابكة للدول الكبرى. ومع ذلك، فإن الشكوى تظل مهمة لجهة تثبيت الوقائع القانونية وحفظ حقوق لبنان في المحافل الدولية، وهو ما يشكل لاحقاً أرضية أساسية لأي مفاوضات أو تسويات مستقبلية.
لكن التحدي الأكبر يكمن في قدرة لبنان على ضمان إجراء الانتخابات النيابية في موعدها. فإطالة أمد السجالات حول تسجيل المغتربين قد يستخدم كذريعة لتأجيل الانتخابات، وهو ما قد يعمّق الأزمة السياسية ويفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات. وإذا دخل لبنان مرحلة الفراغ، فإن موقفه التفاوضي في أي ملف – سواء الحدود أو الاقتصاد أو الدعم الدولي – سوف يضعف بشدة. وهذا ما يجعل من الصراع الانتخابي موازياً تماماً للصراع الحدودي، فكلاهما يعكس الأزمة العميقة في بنية الدولة اللبنانية.
رفع شكوى لبنان ضد إسرائيل إلى مجلس الأمن يمثل محاولة لاستعادة المبادرة في ملف السيادة، لكنه في الوقت ذاته يكشف هشاشة الوضع الداخلي الذي يهدد الاستحقاق الانتخابي الأهم. وبين التوتر الحدودي والانقسام السياسي، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة دقيقة يحتاج فيها إلى تثبيت جبهته الداخلية أولاً، حتى يكون قادراً على مواجهة أي اعتداء على حدوده أو مصالحه الوطنية.






