رغم انتهاء اليوم الثاني من المفاوضات التي استضافتها دولة الإمارات بوساطة أمريكية، لم تتمكن كييف وموسكو من تسجيل اختراق سياسي حقيقي يقود إلى وقف الحرب، إلا أن المحادثات حملت إشارات عملية محدودة، أبرزها إنجاز صفقة تبادل واسعة للأسرى، وفتح قنوات عسكرية أمريكية – روسية بعد سنوات من الجمود.
وبينما تتقدم الإجراءات الإنسانية بخطوات ملموسة، ما تزال القضايا الجوهرية المرتبطة بالأراضي والسيادة عالقة، في وقت يتواصل فيه التصعيد العسكري على الأرض.
مفاوضات بلا اختراق سياسي… ولكن مع نتائج إنسانية
اختتمت أوكرانيا وروسيا الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية، التي قادتها الولايات المتحدة في أبوظبي، دون التوصل إلى أي تفاهمات تتعلق بإنهاء الحرب أو معالجة جذورها الأساسية.
غير أن الجانبين نجحا في التوصل إلى اتفاق إنساني تمثل في تنفيذ عملية تبادل واسعة شملت 157 أسير حرب من كل طرف، في خطوة وُصفت بأنها الأبرز منذ عدة أشهر.
وأكد مسؤولون أوكرانيون وأمريكيون، إلى جانب وزارة الدفاع الروسية، أن عملية التبادل نُفذت بالفعل، في مؤشر على أن قنوات التواصل المباشر بين الطرفين لا تزال قادرة على إنتاج تفاهمات جزئية، حتى في ظل تعثر المسار السياسي الأشمل.
واشنطن ترى في التبادل دليلاً على جدوى الانخراط الدبلوماسي
المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، الذي قاد فريق الوساطة الأمريكي إلى جانب جاريد كوشنر، اعتبر أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال طويلاً، مشددًا على أن المفاوضات تحتاج إلى جولات إضافية ومعالجة ملفات أكثر تعقيدًا.
إلا أنه رأى في صفقة تبادل الأسرى نموذجًا عمليًا على أن الحوار المستمر قادر على تحقيق نتائج ملموسة، ويمنح زخمًا للجهود الهادفة إلى إنهاء الحرب.
وتعكس تصريحات ويتكوف توجه الإدارة الأمريكية إلى إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة، مع التركيز في المرحلة الحالية على بناء خطوات ثقة تدريجية، بدل الرهان على اتفاق شامل سريع.
عودة التواصل العسكري بين واشنطن وموسكو بعد قطيعة طويلة
بالتوازي مع مسار التفاوض الأوكراني – الروسي، برز تطور لافت في العلاقات الأمريكية – الروسية نفسها.
فقد أعلنت القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي أن الطرفين توصلا إلى اتفاق لإعادة تفعيل الحوار العسكري رفيع المستوى، الذي كان متوقفًا منذ عام 2021.
وأوضحت القيادة في بيان رسمي أن هذه القناة ستتيح اتصالًا عسكريًا مستمرًا، يهدف إلى إدارة المخاطر وتفادي سوء التقدير، بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى سلام دائم.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة أمريكية لاحتواء احتمالات التصعيد غير المحسوب بين القوتين النوويتين، أكثر من كونها مؤشرًا على تحول استراتيجي عميق في العلاقة الثنائية.
موسكو تتحدث عن أجواء إيجابية وتلمّح إلى تعاون اقتصادي
من الجانب الروسي، حرص المفاوض كيريل ديميترييف على إظهار تفاؤل حذر، مؤكداً أن المحادثات تسير في مسار إيجابي.
وأشار إلى أن العمل جارٍ على إعادة بناء العلاقات بين موسكو وواشنطن، بما في ذلك عبر فريق عمل مشترك يُعنى بالملفات الاقتصادية.
لكن ديميترييف وجّه في الوقت نفسه انتقادات مباشرة للدول الأوروبية، متهمًا إياها بمحاولة إرباك المسار التفاوضي والتدخل في العملية السياسية الجارية.
وتعكس هذه التصريحات استمرار التباين بين الموقفين الأمريكي والأوروبي حيال كيفية إدارة الصراع، ودور الضغوط والعقوبات في دفع روسيا إلى تقديم تنازلات.
كييف أكثر حذرًا… وتطالب بوتيرة أسرع
في المقابل، بدا الموقف الأوكراني أقل تفاؤلًا.
الرئيس فولوديمير زيلينسكي شدد على أن بلاده ستتعامل بإيجابية وبأقصى قدر من المرونة الممكنة، لكنه وصف العملية التفاوضية بأنها معقدة وصعبة.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في كييف إلى جانب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، قال زيلينسكي بوضوح إن أوكرانيا تطمح إلى نتائج أسرع، في إشارة إلى ضيق الوقت السياسي والعسكري أمام حكومته.
ويعكس هذا الخطاب إدراك القيادة الأوكرانية أن إطالة أمد المفاوضات دون تقدم جوهري قد تتحول إلى عامل ضغط داخلي، في ظل استمرار الخسائر البشرية والاقتصادية.
العقدة الإقليمية… ملف الأراضي يعطل أي تسوية شاملة
مصادر دبلوماسية مطلعة تؤكد أن ملف الأراضي لا يزال يمثل العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق سياسي.
فخلال الجولة الأولى من المفاوضات التي عقدت في أواخر يناير الماضي، لم يتحقق أي تقدم في هذا الملف، خصوصًا في ما يتعلق بمناطق شرق البلاد.
وتطالب موسكو كييف بالتنازل عن نحو خُمس المناطق المتبقية من إقليم دونيتسك الخاضعة للسيطرة الأوكرانية، وهو مطلب ترفضه حكومة زيلينسكي بشكل قاطع، معتبرة أنه يمس جوهر السيادة الأوكرانية.
ويبدو أن الطرفين ما زالا بعيدين عن صيغة وسطية يمكن أن تُبنى عليها تسوية سياسية مقبولة داخليًا في كل من موسكو وكييف.
تفاصيل صفقة تبادل الأسرى… أبعاد إنسانية تتجاوز السياسة
بحسب وكالة الأنباء الروسية الرسمية، تبادلت روسيا وأوكرانيا 157 أسير حرب من كل جانب، فيما أُعيد كذلك ثلاثة مدنيين من منطقة كورسك إلى روسيا.
من الجانب الأوكراني، أوضح مسؤولون أن من بين المفرج عنهم 19 شخصًا كانوا قد أُدينوا في قضايا وُصفت بأنها غير قانونية، من بينهم 15 حُكم عليهم بالسجن المؤبد.
كما أكد مفوض حقوق الإنسان في البرلمان الأوكراني أن سبعة من الذين شملهم الإفراج هم مدنيون.
ونشر زيلينسكي صورًا للمفرج عنهم وقد لفّوا بالأعلام الأوكرانية، في مشهد رمزي سعت كييف من خلاله إلى إبراز البعد الإنساني للعملية، في وقت تتعرض فيه الحكومة لانتقادات داخلية بشأن طول أمد الحرب وكلفتها البشرية.
وتُعد هذه الصفقة أول عملية تبادل من هذا الحجم منذ عدة أشهر، إذ يعود آخر اتفاق مشابه إلى مطلع أكتوبر الماضي، عقب ثلاث جولات من المفاوضات المباشرة التي كانت قد استضافتها إسطنبول في وقت سابق.
ذكرى الحرب تقترب… وكشف نادر عن حجم الخسائر
تأتي هذه التطورات قبل أيام قليلة من حلول الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب في 24 فبراير.
وفي إفادة نادرة للرأي العام، قدّر الرئيس الأوكراني هذا الأسبوع عدد القتلى في صفوف الجيش الأوكراني منذ بداية الغزو الروسي في عام 2022 بنحو 55 ألف جندي.
وأشار إلى أن آلاف الجنود لا يزالون في عداد المفقودين، موضحًا أن الكلفة البشرية الباهظة باتت أحد العوامل الأساسية التي دفعت الطرفين للجلوس إلى طاولة التفاوض.
ويُنظر إلى هذا التصريح على أنه محاولة من القيادة الأوكرانية لتهيئة الرأي العام الداخلي لاحتمال الدخول في مسار تفاوضي طويل ومؤلم سياسيًا.
القتال لا يتوقف… والميدان يفرض إيقاعه على المفاوضات
رغم إنجاز صفقة التبادل، استمرت العمليات العسكرية على نطاق واسع.
ففي العاصمة كييف، أعلن رئيس البلدية فيتالي كليتشكو أن هجومًا بطائرة مسيّرة روسية خلال الليل أدى إلى إصابة امرأتين مسنتين، وتسبب بأضرار في مبانٍ سكنية ومبنى مكاتب وروضة أطفال.
وأفادت القوات الجوية الأوكرانية بأن روسيا أطلقت صاروخين باليستيين و183 طائرة مسيّرة خلال ساعات الليل، مؤكدة أن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط 156 طائرة.
كما أُصيب رجل آخر في محيط منطقة كييف، بحسب السلطات المحلية.
وتندرج هذه الضربات ضمن حملة أوسع تستهدف البنية التحتية للطاقة في البلاد، ولا سيما شبكة الكهرباء، في ذروة موجة البرد الشتوية.
الشرق الأوكراني تحت النار… ضحايا في سوق مزدحم
في شرق البلاد، أعلنت السلطات أن القوات الروسية قصفت، يوم الأربعاء، مدينة دروجكيفكا، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل في سوق مكتظة بالمدنيين.
ويعزز هذا الهجوم القناعة لدى كثير من المراقبين بأن الميدان العسكري لا يزال يستخدم كورقة ضغط مباشرة على طاولة التفاوض، وأن أي حديث عن تهدئة سياسية لا يجد حتى الآن ترجمة حقيقية على الأرض.
خطوات إنسانية بلا أفق سياسي واضح
في المحصلة، تبدو مفاوضات أبوظبي وقد نجحت في إعادة تحريك القنوات الدبلوماسية، وفي إنتاج نتائج إنسانية محدودة، لكنها لم تمس بعد جوهر الصراع.
فالخلافات المرتبطة بالأراضي، وترتيبات الأمن، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، ما تزال خارج أي تفاهم فعلي.
وبينما تسعى واشنطن إلى إدارة الصراع ومنع توسعه عبر مسارات موازية مع موسكو، تحاول كييف كسب الوقت دون تقديم تنازلات سيادية، فيما تراهن روسيا على استثمار التقدم الميداني لإعادة صياغة شروط أي تسوية مقبلة.
وفي ظل استمرار القصف وسقوط الضحايا، يبقى المسار التفاوضي هشًا، معلقًا على توازنات الميدان أكثر مما هو مرتبط بإرادة سياسية ناضجة لإنهاء الحرب.






