بيان «كتائب القسام» الأخير، الذي حمل توقيع القيادة العسكرية للحركة وتحدث عن معركة غزة المرتقبة والمصير الذي قد يواجهه المختطفون الإسرائيليون، لم يكن مجرد رسالة عسكرية، بل كشف ضمناً حقيقة كانت مطموسة لأسابيع: مقتل الناطق باسم الكتائب، حذيفة الكحلوت، الشهير بـ«أبو عبيدة». الإعلان غير المباشر أنهى الجدل حول مصيره بعد عملية الاغتيال التي استهدفته في أغسطس الماضي، لكنه في الوقت نفسه سلط الضوء على أزمة أعمق تعيشها حركة حماس، تتمثل في إصرارها على الاستمرار في حرب مكلفة رغم إدراكها أن كلفتها البشرية والسياسية تتضاعف يوماً بعد آخر.
اختراق البنية الأمنية للحركة
منذ سنوات، استخدمت حماس خطاب «أبو عبيدة» كرمز تعبوي يمنح أنصارها شعوراً بالقوة والقدرة على مواجهة إسرائيل. لكن اغتياله، وما سبقه من استهدافات لقيادات بارزة، يوضح أن إسرائيل نجحت في اختراق البنية الأمنية للحركة وتوجيه ضربات موجعة لها. ومع ذلك، تصر حماس على الظهور بمظهر القوة الصامدة، بينما الواقع على الأرض يشير إلى أن الحركة تخسر قادتها وعناصرها، وتدفع المدنيين في غزة ثمناً فادحاً لهذا النهج.
المفارقة أن «أبو عبيدة» الذي عُرف بخطاباته النارية كان يعيش في شقق مستأجرة ويتنقل باستمرار خوفاً من الاستهداف، فيما أبناؤه وزوجته قُتلوا معه في عملية الاغتيال. الصورة هنا تختصر واقعاً أكثر تعقيداً: قيادة حماس لا توفر حتى الحماية لأسرها، ومع ذلك تطالب سكان غزة بالثبات تحت القصف وتدفعهم قسراً للبقاء في دائرة الموت. هذه السياسة تثير تساؤلات جدية حول جدوى «المقاومة» التي تعلنها الحركة إذا كان ثمنها المزيد من الدماء من دون أفق سياسي أو عسكري واضح.
تعنت الحركة في رفض التوافق السياسي
الخسائر في صفوف عائلة «أبو عبيدة» ليست استثناءً، بل جزءاً من سلسلة استهدافات إسرائيلية طالت بيوت قادة الحركة وأقربائهم، لتكشف أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر في حرب لم يختاروها. ومع كل عملية قصف أو اغتيال، تتعمق المأساة الإنسانية: آلاف الشهداء من النساء والأطفال، مئات آلاف النازحين، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية. ومع ذلك، ما زالت قيادة حماس تصر على أن استمرار المعركة يحقق «إنجازات»، بينما يتبين أن النتيجة الواقعية هي المزيد من التدمير والاقتلاع.
في ظل هذا السياق، يغدو من المشروع توجيه نقد واضح لحركة حماس التي تواصل القتال بلا جدوى، متجاهلة الفارق الهائل في موازين القوى، ومتمسكة بخطاب شعاراتي لا يغير من واقع أن غزة تُدمر حجراً وبشراً. ومع كل يوم إضافي من القتال، لا يقترب سكان القطاع من الحرية أو الدولة، بل ينزلقون إلى مزيد من الجوع والنزوح وفقدان الأمان. إن تعنت الحركة في رفض التوافق السياسي وتسليم السلاح للسلطة الوطنية الفلسطينية يحرم الشعب من فرصة إعادة بناء مؤسساته والانخراط في عملية سياسية قد تفتح الباب أمام إنهاء الاحتلال بطريقة أكثر عقلانية وفاعلية.
مقاومة دون أفق سياسي
إن مقتل «أبو عبيدة» ليس مجرد خسارة شخصية لحماس، بل هو مؤشر على نهاية مرحلة كانت فيها قادرة على التحكم بسردية «المقاومة». اليوم، الواقع يثبت أن استمرار هذه المعركة لم يعد سوى استنزاف دموي للسكان المدنيين الذين يدفعون ثمن خيار القيادة بالبقاء في مسار مسدود. المقاومة التي لا تنتج سوى الموت والدمار من دون أي أفق سياسي أو وطني، تتحول إلى عبء ثقيل على الشعب الذي تزعم الدفاع عنه.






