فرضت الأوضاع السياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، جلسات النسخة الثالثة والعشرين من منتدى الدوحة، تفرض إعادة تقييم شاملة لمفاهيم الأمن والاستقرار، وصياغة خطة متوافقة، تهدف في المقام الأول إلى تخفيف حدة التوتر وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
بات المنتدى محطة عالمية، لصياغة الرؤى وتبادل الخبرات، في إشارة واضحة إلى أن التحديات لم تعد محصورة في النزاعات المسلحة أو التوترات الإقليمية، بل امتدّت إلى أزمة ثقة دولية تهدد شرعية المؤسسات وفعالية القانون الدولي.
خطورة تمدد الجماعات المسلحة
وعلى امتداد جلسات المنتدى، برز البعد الأمني كقاسم مشترك يجمع قضايا المنطقة والعالم، من الحروب والصراعات الهوياتية، إلى التمدد العابر للحدود للجماعات المسلحة، مروراً بانهيار آليات الردع وغياب المساءلة.
وشهدت الجلسات مناقشة حالة التدهور في البيئة الأمنية، ليس فقط بفعل قوة الأطراف المتصارعة، بل نتيجة عجز النظام الدولي عن فرض حلول عادلة ومستدامة، وجاءت المداخلات لتؤكد أن الأمن لم يعد مجرد مسألة عسكرية أو حدودية، بل منظومة شاملة تتطلب بناء دول قوية، وسياسات فعالة، وإرادة سياسية حقيقية.
ومن بين أبرز المداخلات، كلمة عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الله العليمي، الذي قدم رؤية تربط بين ما يحدث في اليمن، وبين السياق الأمني الأوسع في المنطقة، وعكست رؤيته عمق الأزمة اليمنية، التي تتداخل فيه الأبعاد السياسية والطائفية والاقتصادية والإقليمية، في مشهد يعكس هشاشة الأمن العربي والدولي أمام الأزمات طويلة الأمد.
الميليشيات الحوثية مصدر عدم الاستقرار الإقليمي
وخلال فعاليات ختام منتدى الدوحة، قدم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الله العليمي، رؤية شاملة لمستقبل اليمن والمنطقة خلال مداخلته ضمن حلقة نقاشية لدراسة التحديات العالمية المتزايدة، من تصاعد الصراعات، واتساع فجوات عدم المساواة، إلى تراجع الثقة بالمؤسسات. حسب الشرق الأوسط.
وأكد العليمي أن الميليشيات الحوثية لم تكتفِ بالتمرد على مؤسسات الدولة، بل أصبحت مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي، ومرتبطة بشبكات إرهابية في دول أخرى، منها الصومال، في حين بات قرارها السياسي والعسكري مرتهناً لإيران ومحور ما يسمى «المقاومة». وهذا الارتباط زاد من تعقيد الصراع ووسّع دائرة تهديده».
واستعرض «العليمي» في كلمته الملامح العامة للأزمة اليمنية، مؤكداً أنها «منذ 2014 تحوّلت من خلاف سياسي داخلي إلى حرب معقدة متعددة المستويات، تتقاطع فيها العوامل السياسية والطائفية والاقتصادية والإقليمية والدولية».
معالجة جذور الصراع
وأشار إلى أن انقلاب الجماعة الحوثية مثل نقطة تحول دفعت البلاد بعيداً عن مسار الدولة المدنية والحكم الرشيد الذي أسّس له مؤتمر الحوار الوطني، نحو مرحلة أكثر خطورة تهدد الأمن الإقليمي والدولي، مشددًا على أن «السلام الحقيقي يبدأ بإنهاء الحرب ومعالجة جذور الصراع، وأن الحكومة اليمنية لا تزال متمسكة بالسلام منذ اليوم الأول، لكن المطلوب سلام يعيد الدولة وينهي الانقلاب ويضمن لليمنيين مستقبلاً آمناً»، مشيراً إلى أن «السلام ليس تجميداً للصراع، بل إنهاء لأسبابه».
وكشف «العليمي»، أن اليمن يمكن أن يتحول من نموذج للصراع إلى نموذج للحل إذا أعادت المقاربات الإقليمية والدولية النظر إليه، ليس بوصفه تهديداً أمنياً، بل كمساحة اقتصادية واعدة تمتلك شواطئ طويلة، وموارد طبيعية، وبيئة سياحية، وطاقة بشرية شابة يمكن البناء عليها. وأوضح أن تغيير هذه النظرة كفيل بتحويل أطراف الصراع شركاء في التنمية حين تتوفر بيئة اقتصادية جديدة تحفّز الاستقرار.
وأشار عضو مجلس الحكم اليمني إلى أن بلده اليوم بات أكثر تأثراً بالصراعات الدولية منه مؤثراً فيها، وأن الظروف الراهنة رغم صعوبتها تمثل فرصة لإطلاق مسار سلام جديد واقعي وشامل يضع في الحسبان التغيرات الإقليمية والدولية، ويعيد تمكين الدولة اقتصادياً ومؤسسياً.
غياب الإرادة السياسية
وفي رده على سؤال حول الموقف الدولي، قال إن «استمرار الحرب لعقد كامل يعود إلى ضعف الأدوات الدولية في التعامل مع الملف اليمني»، موضحاً أن تعدد القرارات الأممية – رغم أهميتها – لم ينجح حتى الآن في إنهاء الانقلاب.
وأضاف أن تحول الصراع إلى البحر جعل العالم يدرك خطورته؛ الأمر الذي انعكس في الموقف الأميركي الأخير بإعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وتغيّر المقاربة الأوروبية تجاه الجماعة.
وأكد «العليمي» أن مبعوث الأمم المتحدة يواجه صعوبات حقيقية بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الحوثيين، مشدداً على أن الحل يتطلب مقاربة مشتركة محلية وإقليمية ودولية تستند إلى المرجعيات المعروفة، وتقود إلى سلام شامل يكفل استقرار اليمن والمنطقة والعالم.
وقال رئيس الوزراء القطري خلال كلمته، إن النظام الدولي بات مجموعة من الوعود غير المنجزة، مشيرًا إلى أن عنوان المنتدى هذا العام، «ترسيخ العدالة: من الوعود إلى واقع ملموس»، يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة في النظام العالمي، وتراجع العدالة في ظل تغليب المصالح على المبادئ.
انتهاكات صارخة للقانون الدولي
وأوضح أن تفاقم الأزمات الدولية لا يعود لنقص الموارد أو المعرفة، بل لغياب الإرادة السياسية والحلول العادلة، وهو ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين، مضيفًا أن غياب المساءلة يمثل أحد أخطر مظاهر الاختلال في النظام العالمي، مؤكدًا أن معاناة الشعب الفلسطيني تحت الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي، وما يشهده السودان من مجازر وانتهاكات جسيمة، تمثل شواهد واضحة على ضرورة ترسيخ العدالة وحماية الحقوق لضمان استقرار المنطقة.
وشدد رئيس الوزراء القطري، أن انتهاك القانون الدولي، والاستخدام المفرط للقوة دون محاسبة، وإضعاف المؤسسات الدولية، عوامل تقوّض الثقة في النظام العالمي. موضحًا أن العالم بحاجة إلى منظومة أكثر عدلًا، وإلى إعادة بناء الثقة بالقانون، وإلى تمكين المجتمعات والمنظمات الإنسانية كشريك أصيل في صنع مستقبل أكثر استقرارًا وشمولًا.
وأكد أن دولة قطر مستمرة في أداء دورها كوسيط موثوق، موضحًا أن الوساطة «ليست ترفًا سياسيًا أو خيارًا مصلحيًا»، بل نهج تؤمن به الدولة انطلاقًا من قناعتها بأن السلام الحقيقي يبدأ بالمشاركة وتوسيع المساحات المشتركة.
ترسيخ العدالة
وكشف أن قطر نجحت، بالتعاون مع شركائها من النرويج وإسبانيا وسويسرا، في تحقيق اختراق مهم أمس في المفاوضات بين الحكومة الكولومبية ومجموعة الـ EGC، في خطوة جديدة تعكس مكانة قطر في جهود بناء السلام العالمي.
وفي تدوينه له على موقع إكس، أكد الشيخ تميم أمير قطر، أن منتدى الدوحة ينعقد هذا العام في ظروف إقليمية ودولية تحتاج إلى تكاتف جميع الجهود لخفض التوتر، ودعم السلام والاستدامة في منطقتنا والعالم، من خلال ترسيخ العدالة، وتعزيز التنمية الإنسانية ومبادئ الحلول السلمية لمختلف النزاعات، متابعًا «أتمنى لضيوف المنتدى التوفيق والسداد، وأرحب بهم في قطر».






