في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون كل عام ارتفاع منسوب نهر النيل مع بداية موسم الأمطار في الهضبة الإثيوبية، جاءت المشاهد المتداولة هذا العام مخالفة لكل التوقعات. فقد انحسر منسوب المياه بصورة لافتة في عدد من المناطق، لتظهر جزر رملية وأجزاء من قاع النهر، بينما تعطلت محطات مياه الشرب ومشروعات الري في بعض الولايات، ما أعاد إلى الواجهة ملف سد النهضة الإثيوبي، وأثار تساؤلات حول مستقبل الأمن المائي لدول حوض النيل.
ورغم أن بعض المختصين يعزون الظاهرة جزئيا إلى تأخر الأمطار الموسمية، فإن عددا من خبراء الموارد المائية يرون أن طريقة تشغيل سد النهضة، في ظل غياب التنسيق وتبادل البيانات مع السودان ومصر، أصبحت عاملا رئيسيا في تفسير التقلبات غير المعتادة في تدفقات النيل الأزرق.
أزمة مياه تتجاوز الحدود السودانية
لم يكن تأثير انخفاض المنسوب مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل امتدت تداعياته إلى الحياة اليومية.
فقد توقفت محطات رئيسية لإنتاج مياه الشرب في أجزاء من الخرطوم بحري وأم درمان نتيجة تراجع مستوى المياه عن الحدود التشغيلية للمضخات، كما خرجت مضخات ري في عدد من المشروعات الزراعية عن الخدمة، وهو ما انعكس على النشاط الزراعي في عدة مناطق.
وتبرز هذه التطورات حجم الترابط بين تشغيل السدود في أعالي النهر واستقرار الخدمات الأساسية في دولتي العبور والمصب، وهو ما يجعل أي تغير مفاجئ في التصريفات المائية قضية تتجاوز الجانب الفني لتلامس الأمن القومي والأمن الغذائي.
هل يقف سد النهضة وراء الانحسار؟
يصعب الجزم بأن سد النهضة وحده هو السبب المباشر وراء انخفاض المنسوب، إذ تتحكم في تدفقات النيل الأزرق عوامل متعددة، من بينها كمية الأمطار الموسمية، ومستوى التخزين في السدود، وإدارة الموارد المائية داخل السودان.
لكن خبراء يؤكدون أن تشغيل سد النهضة غيّر بالفعل النمط التاريخي لتدفق المياه، بعدما أصبحت كميات التصريف مرتبطة بقرارات التشغيل الإثيوبية، وليس بالدورة الطبيعية للنهر وحدها.
ويشير هؤلاء إلى أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في وجود السد بحد ذاته، وإنما في غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، ويضمن تبادل البيانات بصورة فورية، بما يسمح للسودان ومصر بإدارة منشآتهما المائية بكفاءة.
إدارة أحادية تزيد المخاوف
منذ بدء تشغيل سد النهضة، تؤكد القاهرة والخرطوم أن أكبر التحديات تتمثل في غياب الشفافية المتعلقة بعمليات التخزين والتصريف.
ففي ظل عدم وجود آلية دائمة لتبادل المعلومات، تجد الدولتان نفسيهما أمام تغيرات قد تكون مفاجئة في كميات المياه الواصلة، وهو ما ينعكس مباشرة على تشغيل محطات المياه، والسدود، ومشروعات الري.
وترى مصر والسودان أن الإدارة المنفردة لنهر دولي تتشارك فيه عدة دول تتعارض مع مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية.
سدود جديدة… مرحلة أكثر تعقيدا
تتزايد المخاوف مع تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن بلاده تخطط لمواصلة تطوير مشروعاتها المائية، معتبرا أن سد النهضة يمثل بداية مرحلة جديدة في مسار التنمية الإثيوبية.
كما تداولت وسائل إعلام تقارير تحدثت عن وجود تصورات لمشروعات سدود إضافية على النيل الأزرق، وهي معلومات لم تؤكدها السلطات الإثيوبية رسميا حتى الآن.
وإذا مضت إثيوبيا مستقبلا في إنشاء منشآت مائية جديدة، فإن ذلك سيجعل الحاجة إلى إطار قانوني مشترك أكثر إلحاحا، لتجنب أي آثار سلبية على دولتي المصب والعبور.
لماذا تعثرت المفاوضات؟
شهد ملف سد النهضة أكثر من عقد من المفاوضات برعاية أفريقية ودولية، دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وكانت الدول الثلاث قد وقعت إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015، باعتباره إطارا عاما للتعاون، إلا أن الخلافات استمرت حول آليات الملء والتشغيل، وإجراءات التعامل مع سنوات الجفاف، وطبيعة الاتفاق الملزم قانونيا.
وبينما تؤكد إثيوبيا حقها في استغلال مواردها الطبيعية لتوليد الكهرباء وتحقيق التنمية، تصر مصر والسودان على ضرورة وجود قواعد قانونية واضحة تضمن عدم الإضرار بمصالحهما المائية.
العالم يقدم نماذج مختلفة
لا تعد إدارة الأنهار المشتركة قضية جديدة في العلاقات الدولية، إذ نجحت مناطق عديدة في بناء مؤسسات دائمة لإدارة الموارد المائية بصورة جماعية.
فمنظمة استثمار نهر السنغال تعد واحدة من أبرز التجارب الأفريقية، حيث تتقاسم الدول الأعضاء ملكية بعض السدود، وتتوزع المنافع الاقتصادية بصورة مشتركة، بعيدا عن الاعتبارات الجغرافية.
أما لجنة نهر ميكونغ في جنوب شرق آسيا، فقد أرست نموذجاً قائماً على التشاور المسبق، وتبادل البيانات الهيدرولوجية، والتخطيط المشترك للمشروعات الكبرى، بما يقلل احتمالات النزاع بين الدول المتشاطئة.
وتشير هذه التجارب إلى أن نجاح إدارة الأنهار الدولية يعتمد على المؤسسات المشتركة والثقة المتبادلة، وليس فقط على الحلول الهندسية.
بين التعاون والصراع
شهد التاريخ أمثلة عديدة تحولت فيها المياه إلى عامل توتر سياسي وعسكري، كما شهد في المقابل تجارب ناجحة أثبتت أن الإدارة المشتركة قادرة على تحويل الموارد المائية إلى مصدر للتكامل الاقتصادي.
ويبدو أن مستقبل حوض النيل سيتحدد إلى حد كبير بناء على المسار الذي ستختاره دوله: إما الاستمرار في الإجراءات الأحادية وما يرافقها من أزمات متكررة، أو الانتقال إلى نموذج يقوم على الشفافية، وتبادل البيانات، والتخطيط المشترك.
مستقبل النيل… اختبار للإرادة السياسية
تكشف أزمة انحسار المياه الأخيرة أن قضية سد النهضة لم تعد ترتبط فقط بالخلافات الدبلوماسية بين مصر وإثيوبيا والسودان، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لقدرة دول حوض النيل على إدارة واحد من أهم الأنهار الدولية في العالم.
فالتغيرات المناخية، والزيادة السكانية، وتصاعد الطلب على المياه، تجعل التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية، لا خيارا سياسيا.
وفي ظل غياب اتفاق ملزم ينظم تشغيل السدود وتبادل المعلومات، ستظل كل موجة انخفاض أو ارتفاع مفاجئ في منسوب النيل تثير القلق، وتعيد إلى الواجهة سؤالا لم يجد إجابة حتى اليوم: هل يمكن تحويل مياه النيل من بؤرة خلاف إلى منصة للتعاون بين دول الحوض؟






