تكشف أزمة ميناء إيلات، كما ورد في تقرير صحيفة «غلوبس» الإسرائيلية، عن مزيج خطير من الإهمال المالي، والفساد الإداري، والتراخي الحكومي في إدارة أحد أكثر المرافق الحيوية في إسرائيل. إعلان بلدية إيلات عن نيتها إغلاق الميناء بسبب تراكم الضرائب غير المسددة يُمثل لحظة مفصلية في تدهور مستمر تشهده هذه المنشأة، ليس فقط بسبب تداعيات الحرب وتقلّص حركة الملاحة، بل أيضاً نتيجة خلل هيكلي في النموذج القائم على خصخصة أصول إستراتيجية، وتركها بيد جهات خاصة تعمل بمنطق الربح المجرد دون أي التزام بالمسؤولية العامة.
تقلص إيرادات الميناء
منذ منح امتياز تشغيل الميناء عام 2012 لشركة “نقاش إخوان”، وهي شركة خاصة لعائلة إسرائيلية أميركية، أثيرت شكوك حول غياب التنافسية والرقابة في صفقة لم يتقدم لها سوى عرض واحد. وعلى مدى سنوات، جنت الشركة أرباحًا طائلة بلغت أكثر من 160 مليون شيكل في أربع سنوات فقط، في وقت كانت فيه الدولة توفر الدعم والبنية التحتية، دون أن تلزم المالكين بالاستثمار في تطوير الميناء أو ضمان الاستدامة المالية.
اليوم، ومع اندلاع الحرب واتساع نطاق التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، تقلصت إيرادات الميناء بنسبة 80%، في انهيار حاد كشف مدى هشاشة هذا الكيان التجاري الذي لم يكن مُجهزًا للتعامل مع الأزمات. وبينما تُظهر البيانات أن الميناء لم يستقبل سوى ست سفن في النصف الأول من عام 2025، فإن الأسوأ هو عجزه عن سداد رسوم تشغيلية أساسية، مثل الضرائب ورسوم الاستخدام.
ارتباك الحكومة الإسرائيلية
الحكومة الإسرائيلية، من جهتها، تبدو في موقف مرتبك. فهي منحت القائمين على الميناء دعماً مباشراً في صورة قروض وضمانات وتعويضات، ومع ذلك، لا تزال تطالبهم بالقيام بواجبهم تجاه البلدية وسداد الالتزامات المتراكمة. التصريحات الرسمية التي خرجت من وزارة المواصلات – ولا سيما المدير العام موشيه بن زاكين – تكشف عن حالة من الغضب تجاه إدارة الميناء، لكن هذا الغضب لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها في ترسيخ نموذج استثماري فاشل، حوّل منشأة حيوية إلى عبء مالي.
الأبعاد الإستراتيجية للميناء تجعل من انهياره الكامل احتمالاً لا يمكن تجاهله. فالميناء لا يخدم فقط الأغراض التجارية، بل يُعد شريانًا لوجستيًا للجيش، ومنفذًا لصادرات البوتاس والنفط، ويحتل موقعًا حيويًا على خط أنابيب أوروبا-آسيا. إغلاقه الكامل، كما حذّرت هيئة الطوارئ، قد يؤدي إلى أضرار جسيمة في البنية التحتية التشغيلية، مثل القاطرات والرافعات والأنظمة الكهربائية، ويعني عمليًا توقفًا تامًا لأحد المرافق التي كانت تُصنف حتى وقت قريب ضمن الأصول الإستراتيجية لإسرائيل.
فشل الحكومة في إنقاذ الميناء
لكن المفارقة الأكبر تكمن في التناقض بين الرؤية الحكومية التي تدّعي أهمية الميناء، وبين فشلها في وضع خطة إنقاذ حقيقية تُراعي التوازن بين المصالح الخاصة والعامة. فتخصيص الميناء لشركة خاصة دون رقابة فعالة، ثم الاعتماد على أموال الدولة في إنقاذه عند أول أزمة، يكشف أن سياسة الخصخصة لم تكن إلا وصفة لنقل الربح إلى القطاع الخاص، وتحمّل الخسائر من المال العام.
في جوهر الأزمة، يظهر أن ما يُهدد ميناء إيلات ليس فقط الهجمات اليمنية ولا الحروب الإقليمية، بل سوء الإدارة، وانعدام الشفافية، وغياب التخطيط طويل الأمد. وإذا لم تتحرك الحكومة لإعادة النظر في منظومة الامتيازات الممنوحة للشركات الخاصة، وربط الدعم المالي بالمساءلة الصارمة، فإن ميناء إيلات لن يكون سوى بداية لسلسلة انهيارات في قطاعات يُفترض أن تكون محمية في ظل الأزمات لا رهينة للمصالح الخاصة.





