في مشهد مؤلم يلخّص وحشية الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، بثّت “سرايا القدس”، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، تسجيلًا مصورًا قالت إنه يُظهر الجندي الإسرائيلي الأسير روم بارسلافسكي، في آخر لحظات ظهوره قبل انقطاع الاتصال بالمجموعة الآسرة، جراء العملية العسكرية التي شنّها جيش الاحتلال على مناطق داخل القطاع.
ملامح الجوع على جسد أسير
الفيديو، الذي أثار تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل والإعلام، كشف حالة نحول جسدي شديدة يعاني منها الجندي الأسير، في انعكاس مباشر للظروف القاسية التي تمرّ بها غزة، والتي لم تستثنِ حتى الأسرى من بين صفوف جيش الاحتلال. وظهر بارسلافسكي وهو يشكو من الجوع والعطش، في مشهد يشي بمدى تفاقم الأوضاع داخل القطاع المحاصر، إلى درجة طالت فيها آثار التجويع حتى الأسرى.
انتقاد لاذع لحكومة نتنياهو
في كلماته المصوّرة، حمّل الجندي الأسير حكومة بنيامين نتنياهو وجيش الاحتلال مسؤولية تدهور حالته الصحية، قائلًا: “نتنياهو يتحمل مسؤولية مرضي ودمي”. وناشد، بصوت مرتجف، إدخال الطعام قائلاً: “أنا لا آكل ولا أشرب… أرجوكم أدخلوا الطعام لأنني أموت من الجوع”. وأضاف: “أخشى ألا أخرج حيًا من القطاع”، وهو تصريح يعكس شعورًا حادًا بالخذلان واللاجدوى من الجانب الإسرائيلي.
واعتبر بارسلافسكي أن ما يعرف بـ”عملية عربات غدعون”، التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، هي السبب الرئيسي في حرمانه من الطعام، موجهاً نداء إلى الجنود الإسرائيليين: “ما الذي فعلته لكم؟”، في خطاب يتقاطع فيه الندم مع الغضب واليأس.
توثيق اللحظة قبل الغياب
المقطع المصور حمل في نهايته ورقة دوّن عليها الأسير تاريخًا هو العشرون من الشهر الجاري، ما يشير إلى أن التسجيل تم قبل يومين فقط من إعلان “سرايا القدس” فقدان الاتصال مع المجموعة الآسرة له، نتيجة التوغل الإسرائيلي العنيف في المناطق التي يُعتقد أنه كان يتواجد فيها.
وكان الناطق باسم “سرايا القدس” قد أعلن، في 22 يوليو، فقدان الاتصال بالمجموعة الأمنية المكلفة بحراسة الأسير بارسلافسكي، مؤكدًا أن مصير الجندي ومَن كانوا معه لا يزال مجهولًا حتى اللحظة.
رسائل سياسية وإنسانية مزدوجة
الفيديو لا يمكن قراءته فقط كمادة دعائية، بل كوثيقة إنسانية تضع الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة مسؤولياته الأخلاقية والقانونية. فهو يقدم صورة من الداخل، من الجهة التي لطالما كانت مغيبة في السردية الإسرائيلية الرسمية: أسير حرب يعاني الجوع مثل أبناء القطاع، ينهار جسديًا ونفسيًا بسبب قرارات سياسية اتخذتها حكومته التي خاضت الحرب.
ويضيف المقطع عنصرًا وجدانيًا حين يعرض مشاهد للأطفال الفلسطينيين الذين قضوا جوعًا نتيجة الحصار، في محاولة واضحة لإثبات أن سياسة التجويع لا تميّز بين سلاح ومهد، ولا بين مقاوم وأسير.
واقع الحصار: خطر على الجميع
يأتي هذا التسجيل في وقت اشتدت فيه الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، مع تفاقم أزمة الغذاء وانهيار شبه كامل في الخدمات الطبية واللوجستية. ويخشى مراقبون أن يكون فقدان الاتصال بالمجموعة الآسرة ناتجًا عن تصفية إسرائيلية مباشرة، في محاولة للتخلص من عبء الأسرى ومحو آثار أي توثيق يمكن أن يدين الحكومة لاحقًا.
في المقابل، يرى آخرون أن فقدان الاتصال هو مؤشر على مدى ارتباك الميدان وغياب القدرة على حماية الأصول البشرية، في بيئة تتحول فيها كل دقيقة إلى معركة بقاء.
في انتظار الحقيقة
لا يزال مصير بارسلافسكي غامضًا، كما لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة حول ما إذا كان حيًا أو قد لقي حتفه في العملية الأخيرة. لكن الثابت أن الفيديو، الذي وصفه البعض بـ”نداء الجوع الأخير”، سيظل مادة مشحونة بالدلالات، وصدىً لصرخة شخص فقد الثقة في جيشه وفي حكومته… ووجد نفسه يطالب بالخبز في أرض يقاتلها منذ البداية.






