تحولت «منحة السفر السياحية» في الجزائر من أداة لدعم حق المواطن في التنقل إلى الخارج، إلى ثغرة تنزف عبرها العملة الصعبة خارج القنوات الرسمية، وتغذي السوق الموازية وشبكات الاحتيال العابرة للحدود، إذ تواجه الجزائر أزمة كبيرة في العملة الصعبة، نتيجة التدفقات غير المنضبطة للنقد الأجنبي، والارتفاع غير الطبيعي في التنقلات الشكلية نحو تونس، الأمر الذي يكشف وجود خلل عميق في منظومة الضبط المالي.
وتحاول الحكومة الجزائرية تدارك الأزمة، وقامت بتشديد الرقابة على المعابر الحدودية وفرض قيود صارمة على النقل الجماعي الدولي، في محاولة موازنة دقيقة بين حماية الاحتياطي من النقد الأجنبي والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، في لحظة تسعى فيها الجزائر إلى ترسيخ استقرارها المالي، وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وتحصين اقتصادها من السوق السوداء.
قيود ثقيلة على الرحلات المنظمة
ومنذ إعادة تقييم منحة السفر إلى 750 يورو في 20 يوليو (تموز) 2025، بعدما كانت 95 يورو، شهدت حركة المسافرين الجزائريين نحو تونس عبر الطرق البرية ارتفاعاً كبيراً. وأمام ما تعدّه السلطات «تجاوزات» و«تحويلاً للعملة الصعبة نحو السوق الموازية»، تم اعتماد مجموعة من القواعد الجديدة لتنظيم النقل الجماعي الدولي عبر الطرق؛ ما فجّر موجة احتجاجات في أوساط مهنيي وكالات السفر، حسبما نشره الموقع الإخباري الاقتصادي «ماغرب إمرجنت»، الذي نقل عن بعضهم، أن فرض توفير طاقم قيادة مزدوج، واستعمال حافلات لا يتجاوز عمرها عشر سنوات – وهي شروط يصعب التقيد بها – «مناورة تهدف إلى تقييد الاستفادة من منحة السفر السياحية، المقدرة خاصة بالنسبة للرحلات المتجهة إلى تونس».
وتضع الأحكام الجديدة قيوداً ثقيلة على الرحلات المنظمة بالحافلات والحافلات الصغيرة، في مقابل مرونة واضحة لا تزال ممنوحة للسيارات الخاصة التي يقل عدد ركابها عن ثمانية. وقد دخل الإجراء الأساسي حيز التنفيذ، منذ أسبوع دون إشعار مسبق؛ ما أدى إلى تشديد غير مسبوق في المتطلبات الإدارية والعملية.
وبموجب هذه الإجراءات، بات كل سفر بالحافلة يستدعي «ترخيصاً دولياً خاصاً ومؤقتاً»، يجب طلبه من مديريات النقل بالولايات قبل موعد السفر بخمسة عشر يوماً على الأقل. يضاف إلى ذلك إلزام توفير مرشد مرافق لسائق الحافلة مصرح به لدى الضمان الاجتماعي؛ الأمر الذي يرفع بشكل كبير تكاليف الوكالات، ويقلص هامش الربح لديها، والهدف من ذلك ثنيهم عن تنظيم الرحلات.
أزمة منحة السياحة
من جانبه، أكد وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، أمام نواب «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، وجود «شبكة احتيال منظمة»، تستغل، حسبه، حق السفر الذي أقرّته الدولة لفائدة المواطنين، بناءً على منحة تقدر بـ750 يورو تصرف سنوياً. حسب الشرق الأوسط.
وأضاف في رده على أسئلة النواب، فيما يخص الضغط، الذي تشهده المعابر الحدودية مع تونس، أن هذا الإجراء الاجتماعي، الذي وُضع لتسهيل تنقل الجزائريين إلى الخارج، «انحرف عن أهدافه بفعل ممارسات غير قانونية، قادها سماسرة وشبكات منظمة، تورط فيها وسطاء وبعض وكالات السفر»؛ ما اضطر السلطات إلى فرض قيود على مستوى المعابر الحدودية.
واستفاد آلاف الأشخاص من «منحة السياحة» بغرض قضاء عطل في الجارة الشرقية تونس، إذ شدد الوزير الجزائري، على أن الحكومة «أجرت تقييماً دقيقاً وشاملاً للوضع بالتنسيق مع السلطات التونسية»، وذلك خلال زيارة رسمية رافق فيها الوزير الأول سيفي غريب إلى تونس، نهاية الأسبوع الماضي. وكشف هذا التقييم، حسبه، النقاب عن «تورط بعض وكالات الأسفار في تنظيم تنقلات مشبوهة لمواطنين جزائريين، بالاعتماد على أساليب احتيالية، هدفها الأساسي الاستحواذ غير المشروع على العملة الصعبة».
حزمة إجراءات رقابية
وأشار الوزير سعيود أن «أسلوب الاحتيال المعتمد يقوم على إدخال مواطنين جزائريين إلى الأراضي التونسية بطريقة قانونية وختم جوازات سفرهم، ثم إعادتهم بسرعة إلى الجزائر، عبر معابر حدودية مراقبة، دون استيفاء مدة الإقامة القانونية، ليُعاد إدخال الأشخاص أنفسهم مجدداً بالطريقة ذاتها؛ بهدف تكرار عملية الختم والاستفادة المتعددة من منحة السفر المقدّرة بـ750 يورو». لافتاً إلى أن هذه الأموال «لم تنفع لا الاقتصاد الجزائري ولا الاقتصاد التونسي، بل ذهبت حصرياً إلى جيوب سماسرة وشبكات غير قانونية».
وحسب الشرق الأوسط، وصف الوزير الأرقام المسجلة بـ«المقلقة للغاية»، مشيراً إلى رصد ما يقارب مائة ألف حالة خلال شهر ونصف شهر فقط، «غالبيتهم من العاطلين عن العمل، الذين يتم استغلالهم كأدوات في هذه العمليات العابرة للحدود». وبعملية حسابية تم تهريب ما يقارب 7.5 مليون يورو خلال 45 يوماً فقط، دون أن يذكر الوزير المدة بالتحديد.
وللتصدي لهذه «التجاوزات»، أعلن سعيود عن حزمة من الإجراءات الرقابية الاستعجالية، من بينها فرض تراخيص مسبقة على حافلات وكالات السفر الناشطة عبر الحدود. وأوضح أن هذه الخطوة «كشفت عن حجم الممارسات غير القانونية، بعد عجز بعض الوكالات عن تقديم أي التزامات، أو ضمانات تتعلق بإعادة مواطنين جزائريين عالقين في تونس».
قانون الموازنة لعام 2026
وشدد الوزير على عدم وجود أي قرار لإلغاء منحة السفر؛ «فهي حق مكفول للمواطن الجزائري». غير أنه أوضح أن الحكومة تعمل على استحداث «أطر قانونية وتنظيمية محكمة لمنع أي استغلال غير مشروع لها، والحفاظ على طابعها الاجتماعي». وأكد أنه بحث مقترح لاعتماد «بطاقة دفع مسبقة»، يتم من خلالها صب منحة 750 يورو، بما يسمح بالتحكم في كيفية صرفها، وتتبع استعمالها، وضمان توجيهها مستقبلاً نحو الأهداف، التي أُقرّت من أجلها.
وحسب وكالة الأنباء الجزائرية، وقع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد الماضي، على قانون الموازنة لعام 2026، والتي تعد الأكبر في تاريخ البلاد، على عتبة اجتماع مجلس الوزراء. وتتجاوز نفقات الموازنة الجديدة 136 مليار دولار، وتقوم في الأساس على تبني جملة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، تعكس توجه الحكومة نحو دعم النمو، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وزيادة رواتب الموظفين.
وكانت الجزائر اعتمدت موازنة بقيمة 128 مليار دولار في عام 2025، مقابل 113 مليارا لعام 2024. واعتبر وزير المالية الجزائري عبد الكريم بوالزرد، أن النص الجديد “يعزز أداء الاقتصاد الوطني، خصوصا في القطاعات خارج المحروقات، التي تشهد قفزة نوعية ينبغي تثمينها”.
أرقام تكشف حجم الموازنة
وتوقع قانون الموازنة لسنة 2026، الذي اعتمد مبلغ 60 دولارا كسعر مرجعي لبرميل النفط، أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي 4.1% العام المقبل، ليرتفع إلى 4.4% في 2027، ثم إلى 4.5% في 2028، انطلاقا من الأداء الإيجابي المتوقع للقطاعات خارج المحروقات، خاصة الزراعة والصناعة والبناء.
ويترقب أن يصل إنتاج الجزائر من الحبوب العام المقبل إلى 44 مليون قنطار، مقابل 62 مليونا عام 2028، مع متوسط نمو حقيقي يقدر بـ 6.2% في قطاع الصناعة، و5.1% في قطاع البناء خلال نفس الفترة المرجعية. ويرجح أن يرتفع الناتج الداخلي الخام للجزائر في عام 2026 إلى نحو 42 تريليون دينار ( 323 مليار دولار)، مقابل 347 مليار دولار عام 2027، ونحو 373 مليار دولار عام 2028، فيما تشير التوقعات إلى ناتج داخلي خام خارج المحروقات بنحو 280 مليار دولار في 2026، و303 مليارات دولار عام 2027، وبنحو 332 مليار دولار في 2028.
ويتضمن قانون الموازنة لعام 2026، زيادة كتلة الأجور بنحو 1.4% إلى 45 مليار دولار، ما يعادل الثلث من ميزانية الدولة، أما المبلغ المخصص لدعم المواد ذات الاستهلاك الواسع كالحبوب والحليب والماء المحلى والطاقة والسكر والزيت والقهوة، فيتجاوز 5 مليارات دولار، أما التحويلات الموجهة للأشخاص المستفيدين من منحة البطالة وعددهم يفوق المليونين، فتتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وهو نفس المبلغ تقريبا المخصص للمعاشات ومستحقاتها.
وقدّر القانون، نفقات الاستثمار بأكثر من 31 مليار دولار، منها ثلاثة مليارات دولار لقطاع الأشغال العمومية والمنشآت. بالمقابل، تم تخفيض معدل الضريبة على الدخل الإجمالي المطبق على أرباح الأسهم التي يتلقاها الأشخاص الطبيعيون المقيمون من 15 إلى 10%، مع الحفاظ على أسعار بعض المنتجات الموجهة للاستهلاك. كما تم استبعاد البضائع المستوردة في إطار أجهزة دعم الاستثمار من مجال تطبيق مساهمة التضامن.
وينص القانون على تطبيق معدل مخفض للحقوق الجمركية على بعض المركبات، في مقابل زيادة الرسم النوعي المطبق على شراء اليخوت وسفن النزهة والدراجات المائية، لتصل إلى ثلاثة آلاف دولار، يذهب 20% من عائد هذا الرسم إلى صندوق التقاعد.
استرجاع 30 مليار دولار
وفي تصريحات سابقة، نشرها موقع العربية، كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن استرجاع بلاده 30 مليار دولار من الأموال المنهوبة، مجدداً رفضه اللجوء إلى المديونية. وذكر تبون في خطاب له بمقر وزارة الدفاع الوطني بثه التلفزيون الرسمي، أن دولًا أوروبية وعدت بالمساعدة في عملية استرجاع مبالغ أخرى من الأموال التي نُهبت خلال حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
واعترف تبون أن إسبانيا، التي وصفها بـ”الدولة الصديقة”، سلّمت الحكومة الجزائرية فندقًا من 5 نجوم كان قد اشتراه أحد رجال الأعمال الجزائريين بعدما هرّب أموالًا من البلاد. كما أبرز أن محاربة الفساد هي التي جنّبت الاقتصاد الجزائري الانهيار، وأن الاستيراد المزيّف وصل إلى 62 مليار دولار، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة.
وأشار تبون إلى أن الجزائر أصبحت لديها جاذبية اقتصادية وسياحية، وأن مستثمرين من مختلف القارات يرغبون في الاستثمار فيها، معربًا عن أمله في أن يصل بقطاع الصناعة ليساهم بين 12 و13% في الناتج الداخلي. وخاض تبون في مؤشرات الاقتصاد الجزائري، الذي نال برأيه ثناء الهيئات والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية التي صنفته ضمن أقوى الاقتصادات في إفريقيا بنسبة نمو لا تقل عن 3.9%، قال إنها الأعلى في حوض البحر الأبيض المتوسط.
رفض اللجوء إلى المديونية
كما جدد تبون التأكيد أن الجزائر، التي تُعد من المشاركين الكبار في بنك البريكس والبنك الإفريقي، ترفض اللجوء إلى المديونية، رغم طلبهما منها تمويل مشاريع كبرى. لكنه عاد واستدرك: “وإذا اقترضنا فسيكون ذلك من أجل مشاريع ناجعة… هناك مشروع ضخم للسكك الحديدية، سنصبح أول دولة منتجة للفوسفات بما يقارب 10 ملايين طن سنويًا، والفوسفات مرتبط ارتباطًا عضويًا بالزراعة ومخصباتها كاليوريا وغيرها”. وأضاف تبون: “سنصبح دولة ناشئة في مستوى الدول التي يصل دخلها القومي إلى 400 مليار دولار فما فوق (سنويا)”.
وتابع وهو يُثني على الجيش الجزائري: “الأمن والاستقرار اللذان تنعم بهما الجزائر، واللذان هما على عاتق الجيش الوطني الشعبي وقوات الأمن، ساهما في تعزيز الجاذبية الاقتصادية وجلب المستثمرين الوطنيين والأجانب”.






