كشفت مصادر سياسية في تل أبيب عن نقاشات ساخنة داخل القيادة السياسية والعسكرية بشأن قرار الحكومة احتلال مدينة غزة. وتوضح التسريبات أن قادة الجيش والمخابرات يدركون أن هذه الخطوة لن تغيّر موازين الحرب، ولن تحقق أهدافها المعلنة: استسلام حركة “حماس” أو تحرير الأسرى الإسرائيليين أحياء. بل على العكس، قد تُورط الجيش في حرب استنزاف طويلة تحقق لحماس ما تريده بالضبط، أي جرّ إسرائيل إلى معركة مفتوحة ومكلفة.
التكلفة الباهظة: قتلى وأموال وعزلة
تشير تقديرات الجيش إلى أن احتلال غزة الموسّعة، التي يقطنها نحو مليون نسمة، قد يكلّف أكثر من 100 جندي قتيل سنوياً، إضافة إلى نفقات باهظة تصل إلى 30 مليار شيقل. ومع استمرار الحرب، يخشى مسؤولون من أن تتحول إسرائيل من دولة معزولة سياسيًا إلى دولة منبوذة على الساحة الدولية، ما يعمّق أزمتها الدبلوماسية ويزيد من الضغوط عليها.
الأسرى في قلب الجدل
بحسب صحيفة “هآرتس”، حذّر ضباط في وحدة “منسق شؤون الأسرى والمفقودين” عائلات المخطوفين من أن عملية احتلال غزة قد تزيد من مخاطر على حياة الأسرى الأحياء وتؤدي إلى اختفاء جثامين الموتى. واعترف الضباط بعدم امتلاك الجيش معلومات دقيقة عن أماكن الأسرى. هذا الموقف أثار صدمة عائلات المحتجزين، التي أصدرت بيانًا تتهم فيه قيادة الجيش بالتورط في “حرب لا ضرورة لها”، مطالبةً بقبول مقترحات تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار كخيار وحيد لاستعادة ذويهم وإنهاء الحرب.
نتنياهو ومأزق البقاء السياسي
يشير المحلل عاموس هرئيل إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يلمّح لإطلاق عملية عسكرية واسعة، لكن بقدرات محدودة “نصف القوة”، في ظل قناعة داخلية بأنه يضع أولوياته السياسية والشخصية فوق مأساة الأسرى. مسؤولون مطلعون على جلسات “الكابينت” يرون أن نتنياهو فقد الاهتمام بقضية الأسرى، وهمّه الأساس هو البقاء في الحكم وتفادي السجن، ما يزيد من شعور عائلات المخطوفين بالخذلان.
تحذيرات من كارثة متعددة الأبعاد
المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، ألون بن دافيد، ذهب أبعد حين وصف احتلال غزة بأنه سيكون “كارثة إنسانية للفلسطينيين ومأساة عسكرية وسياسية لإسرائيل”. وأكد أن الجيش نفسه قدّم تقديرات واضحة للحكومة بأن السيطرة على المدينة بالكامل وتطهيرها من الأنفاق سيستغرق ما لا يقل عن عام كامل، مع تكلفة بشرية ومادية هائلة، ودون ضمان حسم نهائي ضد “حماس”.
تكتيك “حماس”: حرب عصابات مرهقة
بحسب تحليلات المخابرات الإسرائيلية التي نقلتها وسائل الإعلام، فإن “حماس” لا تستعدّ لخوض معركة على غرار “ستالينغراد”، بل أقرب إلى أسلوب “السرايا”، أي قتال عصابات متفرق يستهدف إنهاك القوات الإسرائيلية. وفي موازاة ذلك، تستمر الحركة في السعي وراء عمليات خطف جديدة تزيد من الضغط الداخلي على القيادة الإسرائيلية.
معضلة استراتيجية بلا مخرج واضح
تُظهر النقاشات الداخلية حجم التردد والانقسام داخل إسرائيل بشأن احتلال غزة. ففي الوقت الذي يبحث نتنياهو عن مخرج سياسي يحافظ به على موقعه، يواجه الجيش معضلة عسكرية معقدة: عملية قد تستنزف الموارد والأرواح دون أن تحقق “النصر” الموعود. وهكذا، تبدو إسرائيل عالقة بين حسابات السياسة الداخلية ومخاطر حرب طويلة الأمد لا أفق لها، فيما تظل غزة “الورقة المطوية” التي يصعب فتحها من جديد دون أن تتمزق.






