دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الاضطراب الحاد بعد أن تحولت تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران إلى كرة ثلج متدحرجة تضرب الشركات والأسواق وسلاسل الإمداد في مختلف القارات، في وقت بدأت فيه الخسائر المالية تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة.
وبينما يواصل مضيق هرمز لعب دور مركز الزلزال الاقتصادي، تشير تقديرات وتحليلات دولية إلى أن فاتورة الأزمة تجاوزت بالفعل 25 مليار دولار، وسط مخاوف متزايدة من أن الرقم الحالي ليس سوى بداية لموجة خسائر أكبر.
وتكشف بيانات وتحليلات واسعة أن الأزمة الحالية لا تقتصر على اضطراب جيوسياسي عابر، بل امتدت لتصيب مفاصل الاقتصاد العالمي الأساسية، بدءًا من الطاقة والنقل، مرورًا بالصناعة والتجارة، ووصولًا إلى سلوك المستهلك النهائي الذي بدأ بالفعل في تغيير أولوياته الشرائية تحت ضغط ارتفاع الأسعار وعدم اليقين.
279 شركة تتحرك دفاعياً
ومع اتساع رقعة التأثيرات، سارعت مئات الشركات الدولية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية في محاولة لتقليل الخسائر المتوقعة، وتشير البيانات إلى أن ما لا يقل عن 279 شركة عالمية اعتبرت الحرب سبباً مباشراً لاتخاذ قرارات دفاعية قاسية.
وتضمنت هذه الخطوات رفع أسعار المنتجات وتقليص حجم الإنتاج، إلى جانب تعليق توزيعات الأرباح وإيقاف برامج إعادة شراء الأسهم.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، إذ لجأت شركات إلى فرض رسوم وقود إضافية، ومنح موظفين إجازات إجبارية غير مدفوعة، بينما فضلت أخرى طلب مساعدات حكومية وحزم إنقاذ تحسباً لتفاقم المشهد.
ويعكس هذا السلوك حجم القلق المتزايد داخل أروقة الشركات العالمية، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الأزمة.
الصناعة العالمية تستعيد ذكريات الانهيار الكبير
وأعادت الأزمة الحالية إلى الأذهان واحدة من أصعب المحطات الاقتصادية في العصر الحديث؛ وهي الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وفي تصريحات لافتة، أكد مسؤولون تنفيذيون أن ما يحدث حالياً في قطاع الصناعة يقترب بصورة كبيرة من ظروف الانكماش التي شهدها العالم أثناء الأزمة المالية العالمية، بل إن بعض المؤشرات تشير إلى تدهور يتجاوز فترات ركود سابقة.
وتجلت هذه الصورة بوضوح في قرارات شركات كبرى اضطرت إلى خفض توقعاتها للأرباح بصورة حادة، مع زيادة القلق من تراجع الطلب الاستهلاكي وارتفاع التكاليف التشغيلية.
ويبدو أن المستهلك نفسه بدأ يعكس هذه الضغوط؛ إذ اتجه كثيرون لتأجيل قرارات الشراء الكبرى والاعتماد على إصلاح المنتجات القديمة بدلاً من استبدالها.
هرمز يتحول إلى عنق زجاجة للاقتصاد العالمي
ويظل مضيق هرمز قلب الأزمة الاقتصادية الحالية، إذ تسبب الإغلاق الإيراني الصارم للممر الملاحي الحيوي في صدمة قوية لأسواق الطاقة والتجارة الدولية، فمع تعطل أحد أهم الشرايين البحرية لنقل النفط والمواد الخام، تجاوزت أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلة قفزات كبيرة مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
ولم يتوقف الأمر عند أسعار النفط فقط، بل امتد ليشمل اضطرابات واسعة في الشحن البحري، وارتفاعاً حاداً في تكاليف النقل، إضافة إلى نقص إمدادات مواد أساسية تدخل في صناعات متعددة مثل الأسمدة والهيليوم والألمنيوم والبتروكيماويات.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار معقد، خصوصاً أن العديد من الدول والشركات لا تزال تتعافى من آثار جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
الطيران والسيارات في قلب العاصفة
وكان قطاع الطيران من أكبر المتضررين من التطورات الأخيرة، بعدما تسببت القفزات الحادة في أسعار الوقود بزيادة غير مسبوقة في التكاليف التشغيلية.
وتشير التقديرات إلى أن شركات الطيران وحدها تحملت نحو 15 مليار دولار من إجمالي الخسائر المرتبطة بالحرب، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات.
وفي الوقت ذاته، بدأت شركات السيارات أيضاً في إطلاق إشارات تحذير قوية، مع ارتفاع تكلفة المواد الخام واضطراب شبكات الإمداد الدولية.
ويخشى المصنعون من استمرار اختناقات التوريد خلال الأشهر المقبلة، بما قد يؤدي إلى موجات جديدة من رفع الأسعار وتقليص الإنتاج.
موجة تضخم جديدة تلوح في الأفق
وتبدو الأزمة مرشحة لإطلاق دورة تضخمية جديدة، مع إعلان عشرات الشركات العاملة في الصناعات الثقيلة والكيميائيات والمواد الأساسية نيتها رفع الأسعار خلال الفترة المقبلة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في ارتفاع تكلفة النفط، وإنما في التأثيرات المتسلسلة التي تمتد إلى النقل والإنتاج والخدمات، لتصل في النهاية إلى المستهلك.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار هذه الضغوط إلى تقويض ثقة المستهلكين وإضعاف الطلب العالمي، بما يفتح الباب أمام تباطؤ اقتصادي أوسع.
الأرباح لا تزال صامدة.. لكن الأسوأ لم يظهر بعد
ورغم أن نتائج أعمال العديد من الشركات خلال الربع الأول أظهرت قدراً من الصمود، فإن الصورة المستقبلية تبدو أقل تفاؤلاً، فقد بدأت المؤسسات المالية العالمية في خفض توقعاتها لهوامش الأرباح خلال الفصول المقبلة، مع تحذيرات من ضغوط أكبر قد تظهر تدريجياً مع انتهاء عقود التحوط وارتفاع تكاليف التشغيل الفعلية.
ويرى محللون أن التأثير الكامل للأزمة لم ينعكس حتى الآن في نتائج الشركات المعلنة، وأن الأرقام الحالية قد تكون مجرد مقدمة لموجة أكثر عنفاً.
وفي ظل استمرار الحرب واتساع تداعياتها، يزداد القلق من أن يتحول مضيق هرمز من ممر مائي استراتيجي إلى نقطة اختناق عالمية تعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي، وتدفع الشركات والأسواق نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين قد تكون الأكثر تعقيداً منذ سنوات طويلة.




