في مشهد حمل دلالات سياسية بالغة، اجتمع رئيس حكومة “الوحدة الوطنية” المؤقتة عبد الحميد الدبيبة بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، في إسطنبول الجمعة الماضية.
رغم أن الأجندة المعلنة ركزت على ملفات الاقتصاد والأمن، فإن توقيت اللقاء أثار تساؤلات حول أهدافه الحقيقية، خاصة أنه يسبق إعلان مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هنا تيتيه، عن خريطة طريق جديدة قد تشمل استبدال حكومة الدبيبة.
دعم مشروط.. ومصلحة متبادلة
يرى النائب الليبي وعضو لجنة الدفاع والأمن القومي علي التكبالي، أن الاجتماع لا يمكن فصله عن التحركات الدبلوماسية التي يشهدها الملف الليبي. وبرأيه، فإن روما وأنقرة ستقيمان مدى فائدة الإبقاء على الدبيبة مقارنةً بما يمكن أن يقدمه تحالف محتمل مع الشرق الليبي، خصوصاً في ملفي الطاقة والهجرة.
من جانبه، أكد الباحث في المعهد الملكي، جلال حرشاوي، أن الاجتماع كان بدافع إيطالي بالدرجة الأولى، نظراً لتزايد الهجرة غير النظامية من غرب ليبيا إلى إيطاليا. وأضاف: “اللقاء لا يعني أن تركيا تتمسك ببقاء الدبيبة، لكنه يأتي في سياق التحضير للإحاطة الأممية المرتقبة، ومحاولة تحسين شروط التفاوض السياسي.”
أنقرة.. موازنة دقيقة بين شرق وغرب ليبيا
على الجانب التركي، رأى المحلل مهند حافظ أوغلو أن بلاده لا تنوي الانحياز لطرف على حساب الآخر. “تركيا توازن بين طرابلس والشرق الليبي… فهي تدرك أهمية الاتفاقيات البحرية مع الغرب، لكن في الوقت ذاته، لها مصالح متنامية مع الشرق، لاسيما في مشروعات إعادة الإعمار”.
أوغلو نفى صحة المزاعم بأن أنقرة أو روما تسعيان لحماية حكومة الدبيبة بحد ذاتها، مؤكداً أن العواصم الغربية ترغب في تهدئة المشهد الليبي تمهيداً لانتخابات شاملة تأتي بقيادة جديدة.
شرعية “الوحدة” على طاولة التثبيت
الباحث كرم سعيد، نائب رئيس تحرير مجلة “الديمقراطية”، اعتبر أن الدبيبة كان يسعى من خلال هذا الاجتماع إلى “تثبيت شرعية حكومته”، وتقديم نفسه كطرف لا غنى عنه في أي تسوية سياسية. وأضاف: “الرجل أراد أيضاً كبح تحركات خصومه، مثل صدام حفتر، الذي كثف من زياراته الخارجية مؤخراً في محاولة لتسويق نفسه بديلاً محتملاً.”
وأكد سعيد أن الدبيبة قد يكون طلب دعماً سياسياً واقتصادياً، لتحصين حكومته في مواجهة أي تغييرات قد تطرحها خريطة تيتيه، خصوصاً إذا تضمنت تشكيل حكومة جديدة.
غياب البديل يمدّد عمر الحكومة
أما عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب، فقلل من احتمالية التخلي الدولي عن الدبيبة قريباً، موضحاً أن “المجتمع الدولي لن يتخذ خطوة كهذه ما لم يكن هناك بديل جاهز ومقبول”، مشيراً إلى أن خريطة الطريق الأممية لم تُطرح بعد رسمياً، ولم تحظَ بالدعم الكافي حتى الآن.
معزب ختم تصريحه بأن تغيير حكومة “الوحدة” قبل نهاية العام الجاري يبدو مستبعداً، مرجحاً أن يستمر المشهد على حاله لحين اكتمال التوافق المحلي والدولي حول المرحلة القادمة.
الدبيبة يناور.. والمعركة مستمرة
رغم أن الاجتماع الثلاثي في إسطنبول لم يسفر عن قرارات علنية، فإنه يعكس حالة من “التموضع السياسي” الذي يخوضه الدبيبة لضمان البقاء. وبين دعم دولي مشروط، وصراع داخلي محتدم، تبقى حكومة الوحدة في مرمى التساؤلات، في انتظار ما ستحمله خريطة تيتيه من مفاجآت قد تقلب الطاولة على الجميع.






