تشير تصريحات رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى تحول دقيق في ملامح الدور القطري في ملف غزة، وتكشف عن محاولة الدوحة إعادة تعريف موقعها كوسيط فاعل بين الأطراف، وسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة لإنهاء الحرب وترسيخ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في شرم الشيخ.
تأتي هذه التصريحات في لحظة بالغة الحساسية، إذ تتزامن مع خروقات ميدانية تهدد بتقويض الاتفاق، وفي الوقت نفسه مع حراك سياسي واسع لإطلاق مرحلة ما بعد الحرب، تتضمن ترتيبات أمنية وإدارية جديدة في القطاع، يكون فيها ملف سلاح الفصائل أحد أعقد القضايا المطروحة على الطاولة.
مرحلة الضغط على حماس
الحديث عن استعداد حركة حماس “للتخلي عن الحكم” وإقرار قطر بأنها تمارس “الضغط” عليها للقبول بنزع سلاحها وسلاح الفصائل الأخرى، يحمل دلالات تتجاوز الجانب الإعلامي إلى ما يشبه إعادة تموضع سياسي. فمن المعروف أن الدوحة كانت خلال السنوات الماضية أحد أبرز الداعمين الماليين لغزة، لكنها حافظت في الوقت نفسه على قناة اتصال دائمة مع واشنطن وتل أبيب، ما مكّنها من أداء دور الوسيط المقبول من جميع الأطراف. إلا أن انتقالها اليوم إلى مرحلة “الضغط” على حماس، يعني أن قطر باتت تدرك أن استمرار الحركة بصيغتها المسلحة لم يعد يحظى بتأييد دولي، وأن مستقبل القطاع سيُبنى على معادلة “التهدئة مقابل التنمية”، لا “المقاومة مقابل الدعم”.
هذا التوجه يعكس أيضًا توافقًا قطريًا ـ أمريكيًا متزايدًا بشأن ضرورة إنهاء الطابع العسكري لحكم حماس، مقابل دمجها في عملية سياسية أوسع، تتيح للفلسطينيين إدارة شؤونهم ضمن سلطة مدنية موحدة. الإشارة إلى “خطة ترامب المكونة من 20 بندًا” تكشف عن تقاطع بين الجهود القطرية والمبادرات الأمريكية الرامية إلى تثبيت الهدنة وتحويلها إلى سلام مستدام، مع التركيز على عناصر الأمن، والانسحاب التدريجي، وعدم الضم، وهي ثلاث ركائز أساسية لأي تسوية طويلة الأمد.
رسائل الدوحة
لكن قدرة الدوحة على “الضغط” الفعلي تبقى محدودة دون غطاء إقليمي ودولي واضح. فحماس، رغم تراجع قوتها العسكرية نتيجة الحرب الطويلة، لا تزال تمتلك نفوذًا ميدانيًا، كما أن ملف نزع السلاح يرتبط بشبكة مصالح إيرانية وإقليمية تتجاوز قدرة قطر وحدها على تفكيكها. ومع ذلك، فإن ما تملكه الدوحة هو القدرة على ربط المساعدات المالية وملفات الإعمار بشرط التقدم في المسار السياسي، وهو ما يشكل أداة ضغط غير مباشرة ولكن مؤثرة.
تُظهر تصريحات الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن قطر تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق: فهي تريد تأكيد دورها كوسيط موثوق قادر على التحدث إلى الجميع، من واشنطن إلى حماس، دون أن تتحول إلى طرف منحاز. في الوقت نفسه، تحاول الدوحة توجيه رسالة إلى العواصم العربية الكبرى، خصوصًا القاهرة والرياض، بأنها ليست عقبة أمام ترتيبات ما بعد الحرب، بل شريك في صياغتها.
صياغة موقع الدوحة الإقليمي
من ثمّ، يمكن القول إن دلالات الموقف القطري تتجاوز حدود غزة إلى إعادة صياغة موقع الدوحة الإقليمي. فهي تحاول الانتقال من دور “الوسيط الممول” إلى “الضامن السياسي”، وهو انتقال محفوف بالمخاطر لكنه يمنحها وزنًا جديدًا في معادلة ما بعد الحرب. أما قدرتها الفعلية على إقناع حماس بالتخلي عن سلاحها، فستظل مرهونة بتوافر ضمانات أمنية وسياسية حقيقية للحركة، وبإجماع عربي ـ دولي يربط إعادة إعمار غزة بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، وهو ما تسعى قطر حاليًا لتكون بوابته الأساسية.






