في خطوة تعكس رغبة دمشق في العودة التدريجية إلى الحراك السياسي الإقليمي والدولي، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، في العاصمة السورية، حيث أكد خلال اللقاء على “انفتاح سوريا على أي مبادرات صادقة تهدف إلى دعم أمن واستقرار المنطقة، بشرط احترام سيادة البلاد وقرارها الوطني المستقل.”
اللقاء الذي تم الإعلان عنه رسميًا من قبل وزارة الخارجية السورية، يأتي في ظل تصاعد الحديث عن مبادرات جديدة لتحريك ملفات السلام في الشرق الأوسط، ومخاوف من تصعيد محتمل في بعض بؤر التوتر الإقليمي.
ووفقًا لمصادر دبلوماسية غربية، فإن باول يُعد من الشخصيات البارزة في دوائر صنع القرار البريطاني، ويلعب دورًا محوريًا في بلورة مواقف لندن من ملفات النزاع في المنطقة، بما في ذلك الملف السوري. وتشير تحليلات إلى أن زيارته إلى دمشق قد تكون بمثابة جسّ نبض لعودة الحوار بين سوريا وعدد من الأطراف الدولية.
رسائل السيادة والموقف السوري
الشرع، الذي بدا حريصًا على التأكيد على ثوابت السياسة السورية، شدد أمام باول على أن أي مسار نحو استقرار المنطقة يجب أن يمرّ عبر الاحترام الكامل لسيادة سوريا وقرارها الوطني المستقل، وهو ما فُهم على أنه رفضٌ غير مباشر لأي تدخلات أو اشتراطات خارجية تتعارض مع الرؤية السورية لمستقبل البلاد والمنطقة.
المتابعون للملف السوري اعتبروا تصريحات الشرع بمثابة إعادة تموضع محسوبة، خاصة بعد سنوات من العزلة الدبلوماسية الجزئية، وفي ظل تحولات إقليمية تعيد رسم التوازنات.
ملف السويداء: تطمينات أمنية واحتواء للتوتر
على صعيد داخلي، بدا أن الحكومة السورية تسعى لاحتواء الاحتقان في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، بعد تصاعد التوترات مؤخرًا بسبب انتشار القوات الأمنية في عدد من النقاط داخل المدينة.
وفي هذا السياق، وجّه العميد أحمد الدالاتي، قائد الأمن الداخلي في السويداء، رسالة مصورة لأهالي المحافظة خلال جولة ميدانية، أكد فيها أن انتشار عناصر قوى الأمن «يهدف لحماية السكان ومنع تكرار الاعتداءات والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.»
وأضاف الدالاتي أن هذه الإجراءات تأتي في إطار خطة لضبط الأمن، وأن لا نية لدى الدولة لتصعيد أو استهداف أي مكوّن اجتماعي، في إشارة إلى محاولات لطمأنة السكان وتفكيك أي روايات عن عسكرة موجهة ضد أبناء المحافظة.
قراءة في المشهد: بين الانفتاح والتثبيت الداخلي
يقرأ مراقبون التحركات السورية الأخيرة بأنها جزء من استراتيجية مزدوجة: من جهة، إعادة تفعيل العلاقات مع العواصم الغربية والعربية عبر بوابة المبادرات السياسية، ومن جهة أخرى، ضبط الوضع الداخلي عبر تهدئة الجبهات المتوترة وتثبيت الأمن.
كما أن استقبال شخصية بحجم باول في دمشق قد يُفسَّر على أنه إشارة مبكرة على استعداد بعض الدول الغربية لإعادة الانخراط في الحوار مع دمشق، ضمن توازنات جديدة تفرضها المستجدات الإقليمية، وعلى رأسها التقارب العربي مع سوريا، وتحولات الحرب في غزة، وتحديات الأمن الإقليمي.
هل تقود دمشق دورًا جديدًا في المنطقة؟
يبقى السؤال المطروح حاليًا: هل تستثمر دمشق هذه الانفتاحات لبناء دور جديد أكثر توازنًا في الإقليم؟، وهل تعني هذه اللقاءات بداية لمبادرات حقيقية، أم أنها مجرد رسائل مؤقتة لتمرير المرحلة؟
في الحالتين، فإن سوريا تبدو في طريق العودة إلى المشهد السياسي الإقليمي، بخطى محسوبة، ورسائل واضحة بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُكتب له النجاح من دون مشاركة دمشق في المعادلة.






