اعتبرت إذاعة فرنسا الدولية (RFI) أنّ انهيار نظام بشار الأسد لم يفتح الباب لوحدة السوريين كما حلم بها المتظاهرون، بل أطلق العنان لانقسامات أعمق وموجات عنف أعادت إنتاج الخوف الطائفي بقوة غير مسبوقة. وقالت الإذاعة إنّ مشاهد الاحتفال بسقوط النظام سرعان ما تبددت بعد عام واحد فقط، مع تنامي المواجهات بين مختلف المكوّنات، من الساحل إلى الجنوب، وارتفاع الأصوات المطالِبة بالفدرلة أو حتى بالانفصال.
وأضافت RFI أنّ الاشتباكات التي اندلعت في مارس/آذار الماضي بين جنود سابقين موالين للأسد وعناصر من القوات الانتقالية الجديدة تحولت إلى مجازر استهدفت العائلات العلوية، مُخلّفة نحو 1700 قتيل وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وتقول الإذاعة إن هذه الحلقة من العنف تركت شعورًا عميقًا بالهشاشة داخل أوساط العلويين، الذين باتوا يخشون الاستهداف اليومي والانفلات الأمني، كما روى ناشطون من المنطقة الساحلية.
وتابعت الإذاعة أن العنف لم يقتصر على الساحل؛ ففي يوليو/تموز الماضي شهد الجنوب تصعيدًا دمويًا واسعًا بين الدروز والبدو، قبل أن تتحول المواجهات إلى مجازر جديدة. وتوضح RFI أنّ الدروز، الذين كانوا يأملون بعهد جديد، وجدوا أنفسهم محاصرين بين انحياز السلطات للبدو ومطالبتهم بنزع سلاحهم، ما دفع قطاعًا كبيرًا من مجتمعهم إلى المطالبة بالانفصال للمرة الأولى، في ظل فقدان الثقة بالسلطات والمحيط الاجتماعي.
وقالت الإذاعة إن التحقيقات التي أجرتها منظمة العفو الدولية كشفت عن إعدامات جماعية بحق الدروز نفذتها قوات حكومية وميليشيات تابعة لها، بينما ردّت السلطات بتشكيل لجان تحقيق لم تقنع الرأي العام. فرغم بدء إجراءات قضائية بحق مئات الأشخاص من الطرفين، اعتبر العديد من السوريين أنّ العملية مجرد “مسرحية سياسية”، خاصة بعد إطلاق سراح بعض المتهمين السنّة واستمرار توقيف العلويين.
وأضافت RFI أن أزمة الثقة في القضاء السوري تعمقت بسبب هيمنة جماعات ذات توجهات عقائدية ضيقة على مؤسسات العدالة، ما يجعل من الصعب الحديث عن محاسبة مستقلة أو شفافة. وأشارت إلى أنّ لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان خلصت إلى أنّ بعض الهجمات ضد العلويين كانت “واسعة النطاق ومنهجية”، وربما ترقى إلى جرائم حرب.
وتابعت الإذاعة أنّ مستقبل سوريا ما زال ضبابيًا في ظل تشكيك خبراء وناشطين بقدرة النظام الجديد على تنفيذ عدالة انتقالية حقيقية، خاصة إذا ما طالت هذه العملية الجهات المسلّحة التي ما زالت تتمتع بنفوذ قوي. وفي المقابل، يواصل العديد من الحقوقيين مثل أنور البني وديما موسى العمل على الدفع نحو إصلاحات قانونية وتدريبات مهنية لبناء مؤسسات عدلية قادرة على ملاحقة الجرائم ومداواة الجراح الاجتماعية.
وختمت إذاعة فرنسا الدولية بأن العدالة الانتقالية في سوريا تقف اليوم أمام اختبار صعب بين آمال الناشطين وواقع الانقسامات الطائفية، مشيرةً إلى أنّ آلاف العائلات، من العلويين والدروز وغيرهم، ما زالت تنتظر كشف الحقيقة ومحاكمة الجناة، في بلد تحاول مؤسساته الناشئة أن تمنع تكرار دوامة العنف بعد حقبة الأسد.
للإشارة تكشف التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن طبيعة المجتمع المركّبة، بتنوّعاته العرقية والدينية، وما رافقها من آثار حرب ممتدة منذ عام 2011، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية المتشابكة، قد أفرزت واقعًا بالغ التعقيد يجعل من الصعب اعتماد نموذج جاهز للعدالة الانتقالية دون مواءمته مع خصوصية المشهد السوري. فالاعتبارات المرتبطة بحفظ السلم الأهلي قد تدفع السلطات في بعض المراحل إلى تقديم هذا البعد على غيره، غير أنّ مطلب محاسبة المتورطين في الانتهاكات يبقى حاضرًا بقوة، ولا يمكن إغفاله تحت أي ذريعة.
ورغم خصوصية الوضع، لا يُعفي ذلك الدولة من وضع رؤية موحدة لمسار العدالة الانتقالية، بدلاً من ترك هذا الملف رهين الاجتهادات المتغيرة للسلطات التنفيذية. فمع مرور الوقت، ستواجه الإدارة السورية خيارًا حاسمًا: إمّا الاستمرار بالنهج الحالي بما يحمله من مخاطر على الثقة العامة واستقرار المجتمع، أو الانتقال إلى صياغة آلية واضحة تستند إلى قوانين محددة تمنح هذا المسار غطاءً قانونيًا ومؤسساتيًا يضمن قدرًا من الانتظام والشفافية.






