في وقت تتجه فيه الأنظار إلى سويسرا حيث تنطلق جولة جديدة من المفاوضات الأميركية الإيرانية، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، لكنها في الوقت ذاته لن تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، في موقف يعكس تمسك طهران بأحد أبرز الملفات الخلافية على طاولة التفاوض مع واشنطن.
وتأتي تصريحات بزشكيان قبل ساعات من بدء المحادثات الفنية التمهيدية بين الجانبين، والتي تُعقد بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب، ما يضفي على هذه الجولة أهمية استثنائية في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة.
وقال الرئيس الإيراني، وفق ما نقلته الرئاسة الإيرانية، إن المطلب الأميركي المتمثل في عدم تطوير إيران لقنبلة ذرية “ليس أمراً جديداً”، مشدداً على أن طهران مستعدة لتأكيد ذلك بشكل مكتوب.
وأضاف أن بلاده لا تنوي تطوير سلاح نووي، لكنها في المقابل لن تتخلى عن حقها المشروع في تخصيب اليورانيوم، معتبراً أن على الطرف الآخر القبول بهذا الحق كجزء من أي تفاهم مستقبلي.
وتعكس هذه التصريحات محاولة إيرانية للجمع بين طمأنة المجتمع الدولي بشأن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي، والحفاظ في الوقت نفسه على أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي تعتبرها طهران جزءاً من سيادتها الوطنية وحقوقها التقنية والعلمية.
سويسرا تستضيف مفاوضات دقيقة
وبدأت في سويسرا اللقاءات التمهيدية للمحادثات الأميركية الإيرانية على المستوى الفني، بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان، تمهيداً لانطلاق جولة جديدة من المباحثات المتعلقة بتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو الجاري.
وتُعقد الاجتماعات في أجواء حذرة، إذ يسعى الجانبان إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وآليات تنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المرحلة السابقة، وسط توقعات بأن تكون المفاوضات الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى الترتيبات الفنية والتنفيذية.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين يخوضون سباقاً زمنياً يمتد لـ60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بشأن التفاصيل الفنية، وهي مرحلة غالباً ما تكون الأكثر حساسية في أي مفاوضات نووية بسبب تشعب القضايا المرتبطة بالتخصيب والرقابة الدولية ومستقبل مخزونات اليورانيوم.
اليورانيوم المخصب في صدارة الملفات
ويُعد ملف اليورانيوم المخصب أحد أبرز القضايا المطروحة خلال الجولة الحالية، إذ ينص البند الثامن من مذكرة التفاهم على التزام إيران بعدم امتلاك أو شراء سلاح نووي، كما يتناول آلية التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب الذي تمتلكه طهران.
وبحسب نص التفاهم، فإن الآلية النهائية الخاصة بهذا الملف ستُحدد من خلال اتفاق متبادل بين الطرفين أثناء المحادثات، وهو ما يجعل هذه القضية محوراً رئيسياً للنقاشات الجارية في سويسرا.
ويرى مراقبون أن التوصل إلى صيغة توافقية بشأن مخزون اليورانيوم المخصب سيكون عاملاً حاسماً في نجاح المفاوضات، نظراً لارتباطه المباشر بمستوى الثقة بين الجانبين وبقدرة المجتمع الدولي على التحقق من التزامات إيران المستقبلية.
وفي موازاة التحركات السياسية، يشارك المدير العام لـ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافايل غروسي، في اجتماعات سويسرا، حيث عقد لقاءً مع وزير الخارجية السويسري في بورغنشتوك لبحث آخر التطورات المتعلقة بالملف الإيراني والمسار التفاوضي المرتقب.
وأكد غروسي أهمية استثمار اللحظة الحالية لدعم الجهود الدبلوماسية، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب منح المفاوضات أكبر فرصة ممكنة للنجاح، في ظل الحاجة إلى حلول سياسية تضمن الاستقرار وتمنع أي تصعيد جديد في المنطقة.
وتعكس مشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدور المحوري الذي تلعبه في مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية والتحقق من الالتزامات الفنية، بما يجعلها طرفاً أساسياً في أي اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن.
مفاوضات مفصلية لمستقبل العلاقة
ومع انطلاق الجولة الجديدة من المحادثات، تبدو المفاوضات الحالية من أكثر الجولات حساسية منذ سنوات، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصالح القوى الدولية الفاعلة.
وبينما تتمسك إيران بحقها في التخصيب وترفض أي مساس به، تسعى الولايات المتحدة إلى ضمانات واضحة تحول دون تطوير أي قدرات نووية عسكرية مستقبلاً، وهو ما يجعل نتائج محادثات سويسرا عاملاً مؤثراً في رسم ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين وللاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.




