في تصعيد جديد يعكس حجم القلق الدولي تجاه تطورات الحرب السودانية، حذر مجلس الأمن الدولي من خطر «فظائع واسعة النطاق» قد تشهدها مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في ظل الحشود العسكرية المتزايدة لقوات الدعم السريع حول المدينة، والدعوات الأممية المكثفة لتجنب هجوم جديد قد يفاقم المأساة الإنسانية المتفاقمة في البلاد.
وأكد أعضاء مجلس الأمن، في بيان صدر السبت، أن الوضع في الأبيّض يثير قلقاً بالغاً، محذرين من خطر وشيك يهدد المدنيين إذا استمرت العمليات العسكرية في محيط المدينة.
كما دعا المجلس قوات الدعم السريع في السودان إلى وقف أي هجوم محتمل بشكل فوري، مشيراً إلى التقارير التي تتحدث عن تعزيزات عسكرية كبيرة وانتشار مكثف للقوات حول المدينة المحاصرة منذ عدة أشهر.
الأبيّض.. مدينة استراتيجية على خط النار
تمثل مدينة الأبيّض إحدى أهم المدن السودانية الواقعة في ولاية شمال كردفان، وتكتسب أهمية استراتيجية كبيرة باعتبارها نقطة وصل رئيسية بين مناطق دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع والمناطق الشرقية الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت المدينة إلى هدف استراتيجي للطرفين، حيث يمكن للسيطرة عليها أن تؤثر بشكل مباشر على موازين القوى العسكرية في إقليم كردفان، الذي أصبح خلال الأشهر الأخيرة أحد أكثر جبهات القتال سخونة في السودان.
ويخشى مراقبون أن يؤدي أي هجوم واسع على المدينة إلى اندلاع معارك عنيفة داخل المناطق السكنية، بما يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين ويؤدي إلى موجة نزوح جديدة في بلد يعاني بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
تحرك أممي عاجل لاحتواء التصعيد
وفي محاولة لمنع تفجر الأوضاع، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، اتصالاً مباشراً بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، طالب خلاله بضرورة الامتناع عن شن أي هجوم على المدينة.
وشدد هافيستو على أهمية خفض التوترات العسكرية بشكل عاجل، محذراً من أن أي تصعيد جديد سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني المتدهور بالفعل، ويعرض حياة المدنيين لمخاطر جسيمة في وقت تعاني فيه المدينة من ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة نتيجة استمرار الحصار والمعارك في محيطها.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن المنظمة الدولية تتابع التطورات بقلق بالغ، مشيراً إلى أن الجهود الدبلوماسية مستمرة لتجنب وقوع مواجهة عسكرية واسعة داخل المدينة.
غوتيريش: لا نريد تكرار مأساة الفاشر
ولم تقتصر التحذيرات الأممية على مجلس الأمن فقط، إذ أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيراً شديد اللهجة بشأن الأوضاع في الأبيّض، داعياً جميع الأطراف إلى حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
وقال غوتيريش إن المجتمع الدولي لا يجب أن يسمح بتكرار ما حدث في مدينة الفاشر داخل الأبيّض، في إشارة إلى الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة الواقعة في إقليم دارفور خلال الأشهر الماضية.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع تحذيرات مماثلة أطلقها المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الذي أعرب عن مخاوفه من تعرض المدنيين لانتهاكات جسيمة في حال اندلاع هجوم واسع النطاق على المدينة.
اتهامات بارتكاب فظائع وانتهاكات جسيمة
وتواجه قوات الدعم السريع اتهامات دولية متزايدة بارتكاب انتهاكات خطيرة خلال العمليات العسكرية التي شهدتها مناطق مختلفة من السودان، لا سيما في إقليم دارفور.
وكانت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قد أشارت في تقرير سابق إلى وجود مؤشرات خطيرة على وقوع أعمال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في بعض المناطق التي شهدت مواجهات دامية، وهو ما زاد من المخاوف الدولية بشأن مصير الأبيّض إذا اندلعت فيها معارك مشابهة.
كما أثارت التقارير الحقوقية المتعاقبة قلقاً واسعاً بشأن أوضاع المدنيين، خاصة النساء والأطفال، في ظل استمرار النزاع وتدهور الخدمات الأساسية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
كردفان.. ساحة المعركة الحاسمة
ويرى محللون أن المعركة المحتملة في الأبيّض لا ترتبط فقط بالسيطرة على مدينة مهمة، بل تمثل جزءاً من صراع أوسع للهيمنة على إقليم كردفان، الذي بات يشكل حلقة الوصل الرئيسية بين مسارح العمليات العسكرية في غرب السودان وشرقه.
ومع احتدام المواجهات في الإقليم خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت السيطرة على الطرق ومحاور الإمداد العسكرية عاملاً حاسماً في حسابات الطرفين، الأمر الذي يفسر أهمية الأبيّض الاستراتيجية بالنسبة لكل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، تتجه الأنظار إلى قدرة المجتمع الدولي على منع انزلاق الأوضاع نحو كارثة إنسانية جديدة، خاصة بعد التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة بشأن احتمال وقوع انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين.
وبينما تتواصل الجهود الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، يبقى مصير مدينة الأبيّض معلقاً بين ضغوط الوساطات الدولية وحسابات الميدان العسكري، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول المدينة إلى بؤرة جديدة للصراع في السودان، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية قد تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء البلاد.




