أثار إعلان الكاتب الجزائري–الفرنسي بوعلام صنصال عزمه العودة إلى الجزائر خلال أيام موجة واسعة من الجدل، بعدما قدم الخطوة باعتبارها اختباراً لـ”حسن نيات” السلطات الجزائرية ولما وصفه بـ”جبر الضرر” لشخصه بعد فترة سجنه. غير أنّ طريقة الإعلان، وتوقيته، والجهات التي قد تقف خلفه، فتحت الباب أمام قراءة سياسية أكثر تعقيداً من مجرد قرار فردي لمثقف مثير للجدل.
تصريحات صنصال للقناة الفرنسية، ومحاولته إضفاء طابع رمزي على عودته، اعتُبرت في الجزائر أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى مبادرة شخصية. فالكاتب الذي أمضى عاماً في السجن بعد إدانته بالمساس بالوحدة الوطنية، عاد كموضوع خلاف متجدد، في لحظة تعمل فيها الجزائر وباريس على ترميم شرخ دبلوماسي ممتد منذ صيف 2024.
بين باريس والجزائر… ورقة “غير مرغوب فيها”
اللافت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نصح صنصال مباشرة بعدم السفر، محذراً إياه من عواقب خطوة قد تُقرأ في الجزائر كاستفزاز جديد، وربما كتحريك مقصود لإعادة فتح ملف أرادت الجزائر إغلاقه بعد العفو الإنساني الصادر بطلب ألماني.
عدم حماسة باريس للخطوة يعكس إدراكاً لمخاطرها: فعودته — في هذا التوقيت بالذات — ستُنظر إليها كإلقاء حجر في مياه ما تزال مضطربة بين البلدين، وقد تضع فرنسا مجدداً في موقع المُتَّهَم بمحاولة التأثير في ملفات تخص السيادة الجزائرية. وهو سيناريو تعرف باريس جيداً أنه كفيل بعرقلة ما تحقق خلال الأسابيع الماضية من اتصالات أولية لإعادة بناء الثقة.
هل تسمح الجزائر بدخوله؟ أم تعيد توقيفه؟
السؤال الذي يشغل الرأي العام هو ما إذا كانت السلطات الجزائرية ستسمح لصنصال بدخول البلاد أم ستتعامل مع عودته على أنها محاولة تحدٍّ للنظام.
من الناحية القانونية، يبقى القرار بيد السلطات التي سبق أن أدانته في قضايا تمسّ بالوحدة الوطنية، وهي تهم تعدّ في العقيدة السياسية الجزائرية خطوطاً حمراء. أما من الناحية السياسية، فهناك من يرى أن الجزائر لن تفوّت فرصة لإثبات سيادتها على ملف لا تقبل أن يتحول إلى مادة ضغط خارجي.
وبين من يرجح منعه من الدخول، ومن يتوقع السماح له مع إجراءات مقيدة، تظل فرضية إعادة توقيفه مطروحة — خصوصاً إذا تعاملت السلطات مع عودته كجزء من حملة ابتزاز سياسي أو كإعادة تدوير لملف أثار اضطراباً دبلوماسياً كبيراً العام الماضي.
كاتب مثير للجدل… وتأثير محدود داخل الجزائر
رغم الاهتمام الإعلامي الفرنسي، يبقى صنصال داخل الجزائر كاتباً محدود التأثير. أعماله، التي تتصادم في كثير من الأحيان مع الرواية الوطنية الجزائرية، لم تحظ بانتشار واسع داخل البلاد، ولا يُنظر إليه باعتباره جزءاً من التيار الفكري الجزائري. بل على العكس، ينظر كثيرون إلى مواقفه باعتبارها انحرافاً عن الثوابت الوطنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتراب الوطني أو هوية الدولة.
هذا التباين بين الصورة “المضخمة” في فرنسا، والحضور الباهت داخل الجزائر، ساهم في تأجيج الانطباع بأن إعادة تدوير قضيته ليست بريئة، وأن هناك من يحاول تحويله إلى ورقة يمكن استثمارها في لحظات التوتر بين الجزائر وشركائها.
بين الابتزاز السياسي ومحاولة صناعة رمز
ترى دوائر جزائرية قريبة من الملف أن ما يقوم به صنصال يدخل في إطار محاولات صناعة رمز مصطنع، عبر تقديم نفسه كضحية للنظام، بهدف الضغط على الجزائر أو التأثير على المزاج الدولي تجاهها. هذا الاعتقاد تعززه توقيتات ظهوره الإعلامي المكثف، وحديثه المتكرر عن “الخوف على عائلته” و”احتمال إعادة اعتقاله”، وهو خطاب يتقاطع، بحسب مراقبين، مع سرديات فرنسية يمينية تبحث دائماً عن أمثلة يمكن من خلالها الطعن في مسار الدولة الجزائرية وسياساتها.
لكن في المقابل، يسود إجماع داخل الجزائر على أن المجتمع يتمتع بـ”مناعة سياسية” ضد مثل هذه المحاولات. فالقضايا المرتبطة بالوحدة الوطنية تُعد من أعمق ركائز الوعي الشعبي، ولا يُعتقد أن كتابات صنصال — مهما حظيت من اهتمام خارجي — قادرة على اختراق جدار هذا الوعي أو التأثير في مواقف المجتمع.
خلاصة المشهد: خطوة محسوبة أم مقامرة غير محسوبة؟
عودة صنصال — إن تمت — ستكون اختباراً مزدوجاً: اختباراً لإرادة الجزائر في حماية سيادتها وقراراتها، واختباراً لنية باريس في عدم تحويل ملفات ثانوية إلى قضايا خلافية جديدة.
أما الرجل نفسه، فرغم تقديمه لنفسه كصاحب “معركة شخصية”، فإن معظم المؤشرات توحي بأن قصته باتت أكبر منه بكثير، وأن تحركاته تُقرأ اليوم ضمن سياق سياسي متشابك، لا داخل سياق أدبي أو ثقافي.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل يعود صنصال ليختبر الجزائر… أم ليختبر رد فعل باريس؟
و— الأهم — هل يتحول إلى ورقة أخرى في صراع النفوذ بين بلدين يحاولان منذ أشهر إعادة بناء ثقة هشة؟






