يعيش لبنان حالة ترقّب حذرة حيال الموقف الدولي من خطة الجيش لـ«حصر السلاح» بيد المؤسسات الرسمية، بعد أن تبنّت الحكومة اللبنانية القرار وأعطت الغطاء السياسي لتنفيذه.
وتكتسب زيارة الموفدة الأميركية مورغان أوتاغوس إلى بيروت أهمية خاصة، إذ تُعد أول اختبار لموقف واشنطن من القرار، في وقت سارعت فرنسا إلى الترحيب بالخطة، معتبرة أنها خطوة أساسية لتعزيز سلطة الدولة وضبط الأمن الداخلي.
زيارة أوتاغوس واختبار الموقف الأميركي
ورغم أن الزيارة الأميركية ذات طابع عسكري بحت، وتتركز على اجتماع اللجنة المشرفة على آلية تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فإنها تحمل رسائل سياسية واضحة.
فالمصادر الحكومية اللبنانية تؤكد أن واشنطن ستركّز على أولوية «حصرية السلاح» وتعزيز الاستقرار في الجنوب، ما يجعل الاجتماع محطة حساسة لرصد اتجاه الدعم الأميركي للجيش اللبناني في مهمته الجديدة.
تمهيد أميركي عبر اللقاءات العسكرية
الأميرال براد كوبر، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي، مهّد لهذا الموقف خلال لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون، مشيراً إلى أن اجتماع اللجنة سيكون منصبّاً على الوضع القائم في الجنوب، والسعي إلى تثبيت الهدوء عبر استكمال تنفيذ اتفاق نوفمبر الماضي.
وتؤكد مصادر متابعة أن هذا التوجه يتناغم مع الرؤية الأميركية القائمة على منع التصعيد وضبط الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، بالتوازي مع تمكين الجيش اللبناني من لعب دوره الكامل.
عون يطالب بدور أميركي أكبر تجاه إسرائيل
في المقابل، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلها في الجنوب، ووقف اعتداءاتها المتكررة، إضافة إلى الإفراج عن الأسرى اللبنانيين.
ورأى عون أن تنفيذ القرار الدولي «1701» بكل مندرجاته يُشكل مدخلاً أساسياً لتثبيت سلطة الدولة وحصرية السلاح بيدها، وهو ما يتقاطع مع الخطة الحكومية المعلنة.
تباينات داخلية حول الخطة
في الداخل اللبناني، ما زالت التفسيرات متباينة حيال خطة «حصر السلاح». فبينما يعتبرها البعض مدخلاً ضرورياً لحماية السلم الأهلي وتعزيز الدولة، يرى آخرون أنها خطوة قد تُفاقم الانقسامات الداخلية إذا لم تُنفذ ضمن تسوية سياسية شاملة تضمن معالجة ملف سلاح «حزب الله» بعقلانية وتدرج.
وتقول مصادر سياسية إن الموقف الدولي، خصوصاً الأميركي، سيكون عاملاً حاسماً في توجيه مسار هذا الجدل الداخلي.
فرنسا ترحّب وتدعو إلى دعم الجيش
على الضفة الأخرى، عبّرت باريس عن دعمها الصريح للخطة اللبنانية، مشددة على أهمية تمكين الجيش من القيام بدوره كضامن وحيد للأمن والاستقرار. وتُشير أوساط دبلوماسية فرنسية إلى أن نجاح الخطة يتطلب التزاماً دولياً جماعياً، مع توفير الدعم المالي واللوجستي اللازم للمؤسسة العسكرية، بما يعزز قدرتها على فرض سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية.
وتتابع عواصم عربية بقلق مسار الخطة اللبنانية، إذ تخشى بعض الدول من أن يؤدي فشلها إلى تعميق الانقسام الداخلي وفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة.
وفي المقابل، ترى أطراف أخرى أن نجاح الجيش في فرض سلطته سيُشكل نقطة تحوّل في المشهد اللبناني، وقد يفتح المجال أمام دعم اقتصادي وسياسي عربي أوسع.
الأمم المتحدة ودور «اليونيفيل»
تُدرك الأمم المتحدة أن نجاح خطة «حصر السلاح» لا يمكن أن يتحقق من دون دور فاعل لقوات «اليونيفيل» المنتشرة في الجنوب، فالمصادر الأممية تعتبر أن التنسيق بين الجيش اللبناني و«اليونيفيل» ضرورة ملحّة لتثبيت الاستقرار وتنفيذ القرار 1701، وهو ما يتطلب أيضاً التزاماً إسرائيلياً بوقف الانتهاكات البرية والجوية.
وترى بعض الأوساط أن تطبيق الخطة اللبنانية قد ينعكس على ملفات إقليمية أوسع، خصوصاً أن الساحة اللبنانية ترتبط عضوياً بالصراع الإيراني – الإسرائيلي.
وفي حال اتجهت واشنطن لدعم تنفيذ الخطة بصرامة، فقد يثير ذلك توتراً إضافياً مع طهران وحلفائها، الأمر الذي يجعل الخطة جزءاً من مشهد إقليمي متشابك يتجاوز الحدود اللبنانية.
معضلة التمويل والدعم الدولي
رغم الحماسة المعلنة، تواجه الخطة تحديات جدية على مستوى التمويل والدعم اللوجستي. فالجيش اللبناني يعاني منذ سنوات من نقص الموارد، وتقول مصادر عسكرية إن نجاح أي خطة بهذا الحجم يحتاج إلى التزامات مالية مستدامة من الدول المانحة، وليس مجرد وعود ظرفية.
ووفقا لخبراء، فيبدو لبنان اليوم أمام تحدٍّ مزدوج: داخلي يتمثل في التباينات السياسية والحزبية حول ملف السلاح، وخارجي يتجسد في مدى تجاوب المجتمع الدولي مع الخطة الحكومية، وبينما يراهن الجيش على الدعم الدولي لضمان نجاح مهمته، يبقى مصير «حصرية السلاح» مرهوناً بالتوازن الدقيق بين الضغوط الخارجية والتفاهمات الداخلية، وسط خشية من أن تتحول الخطة إلى ساحة تجاذب جديدة تعمّق الانقسام بدل أن تكرّس الاستقرار.






