تتجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو تبنّي استراتيجية أمنية مشتركة لمكافحة غسل الأموال، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة هذه الجريمة العابرة للحدود وتأثيراتها الاقتصادية والأمنية.
وقد أكد الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي، خلال ورشة العمل التي استضافتها وزارة الداخلية الكويتية بالتعاون مع المكتب الإقليمي للأمم المتحدة المعني بمكافحة الجريمة والمخدرات، أن هذه الاستراتيجية ستشكل نقلة نوعية في التنسيق الخليجي، وتُرسخ أسس تعاون جديد قادر على مواجهة التحديات الراهنة.
غسل الأموال.. أرقام صادمة وتهديدات متنامية
أشار البديوي إلى أن حجم غسل الأموال عالمياً يتراوح بين 2 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل ما بين 800 مليار دولار و2 تريليون دولار سنوياً، موضحاً أن خطورة هذه الأموال لا تقتصر على تقويض الاقتصاد، بل تتجاوز ذلك إلى تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، وتهديد الأمن والسلم الدوليين.
بحكم موقعها الجغرافي الحيوي ومكانتها الاقتصادية وانفتاحها على الأسواق العالمية، تواجه دول الخليج تحديات متزايدة في التصدي لمحاولات استغلال أنظمتها المالية والرقابية.
ولهذا، حرصت دول المجلس على سنّ تشريعات متقدمة تتماشى مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لتجنب أي ثغرات قد تُستغل في تمرير أموال غير مشروعة.
أكد الأمين العام لمجلس التعاون أن الاستراتيجية الأمنية الجديدة تنطلق من مبدأ الأمن الجماعي، بحيث يتم التعامل مع هذه الجريمة كتهديد مشترك يستلزم رداً موحداً، ولفت إلى أن تبني خطة متكاملة يعزز من قدرة دول الخليج على مواجهة التحديات، ويربط جهودها بالمنظومة الدولية لمكافحة غسل الأموال.
محاور الاستراتيجية الخليجية المقترحة
وضعت الورشة خمسة محاور رئيسية لبناء الاستراتيجية المشتركة، وهي تطوير التشريعات والسياسات الأمنية لسد الثغرات وتعزيز الرقابة، والتنسيق الأمني والتحريات المشتركة عبر فرق عمل خليجية وعمليات ميدانية، والتكنولوجيا والتحليل الأمني باستخدام الذكاء الاصطناعي والربط الإلكتروني الآمن، والتتبع والمصادرة لتعقب الأموال غير المشروعة وتنفيذ عمليات تجميد ومصادرة، وكذلك التدريب والتوعية الأمنية من خلال برامج تدريبية وحملات توعوية للقطاعات المعرّضة للمخاطر.
لم تغفل الاستراتيجية الخليجية أهمية البعد الدولي، حيث شدّد البديوي على تعزيز التعاون مع الأمم المتحدة والمؤسسات المالية العالمية من أجل استرداد الأصول وتعقب التدفقات المالية غير المشروعة، بما يضمن التزام دول الخليج بالمعايير العالمية، ويعزز مصداقيتها في النظام المالي الدولي.
أبعاد اقتصادية وأمنية مزدوجة
ووفا لخبراء، فإن مكافحة غسل الأموال لا تعني فقط حماية الأنظمة المالية الخليجية من الاختراق، بل تعزز كذلك ثقة المستثمرين بالأسواق الإقليمية وتحدّ من المخاطر التي قد تهدد النمو الاقتصادي. كما أن تشديد الرقابة المالية يسهم بشكل مباشر في تجفيف منابع الإرهاب والجريمة المنظمة.
وأكد الخبراء أن من خلال هذه الخطوة، تفتح دول مجلس التعاون صفحة جديدة من التعاون الأمني والاقتصادي المشترك، مستندة إلى أدوات حديثة كالتكنولوجيا والتحليلات المالية المتقدمة، وبذلك، ترسخ دول الخليج مكانتها كفاعل رئيسي في الجهود الدولية الرامية إلى قطع الطريق أمام غسل الأموال، وحماية الاقتصاد العالمي من تداعياته الخطيرة.






