تتسارع التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط على وقع مسارات دبلوماسية معقدة وميدان يرفض الاستسلام التام للتهدئة؛ حيث تتشابك الخطوط بين طاولات التفاوض في واشنطن وطهران، والملفات الإنسانية العالقة في بيروت، وصولاً إلى القراءات الإستراتيجية الإقليمية في أنقرة ونيودلهي.
كواليس البيت الأبيض: ترمب يتراجع عن خيار الحرب
على الصعيد الدبلوماسي، كشفت تسريبات نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” عن كواليس دقيقة داخل الإدارة الأمريكية؛ حيث درس الرئيس دونالد ترمب خلال الأيام الماضية خيار العودة إلى مواجهة عسكرية شاملة مع إيران والتخلي عن المفاوضات، رغم توقيع الطرفين على مذكرة تفاهم لخفض التصعيد. ورغم المباحثات المكثفة التي أجراها ترمب مع وزير دفاعه بيت هيغسيث ورئيس الأركان الجنرال دان كين، إلا أنه قرر في نهاية المطاف التراجع والاستمرار في المسار الدبلوماسي، مع إبداء مرونة لتجاوز المهلة المحددة في 18 أغسطس المقبل للوصول إلى اتفاق نووي نهائي.
في غضون ذلك، أكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن الطائرات والسفن الأمريكية لم تتعرض لأي هجمات إيرانية خلال الأسبوعين الماضيين، بينما شدد وزير الخارجية ماركو روبيو أمام الكونغرس على أن الإدارة لا تعيش أوهاماً بشأن سهولة التفاوض، لكنها تمنح الدبلوماسية فرصتها الكاملة. في المقابل، حذرت الخارجية الإيرانية من أن أي تلكؤ أمريكي في تنفيذ بنود التفاهم سيواجه برد صارم وفوري، مشيرة إلى استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة لتسهيل التطبيق.
أزمة مدرسة “ميناب” والانسحاب المؤجل في لبنان
ميدانياً، لا تزال التوترات تلقي بظلالها؛ ففي الوقت الذي لم تتوقف فيه الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان تماماً منذ اتفاق خفض التصعيد، أعلنت تل أبيب تأجيل خطوتها التنفيذية المتعلقة بـ “الانسحاب التجريبي” من الجنوب بانتظار بلورة آلية مراقبة مشتركة. هذا التعثر الميداني يتزامن مع وضع إنساني كارثي؛ حيث أكد منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، عمران ريزا، أن حوالي مليون شخص لا يزالون نازحين جراء الحرب المستمرة منذ مارس الماضي، محذراً من أن الأزمة تحولت إلى انهيار اقتصادي واجتماعي يهدد سوق العمل واستدامة الشركات اللبنانية.

وعلى جبهة أخرى، نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤول أمريكي أن إدارة ترمب ترفض حتى الآن الإعلان رسمياً عن نتائج تحقيق أجراه البنتاغون بشأن قصف مدرسة في مدينة “ميناب” الإيرانية، رغم امتلاك الجيش أدلة تقنية تؤكد تعرض الموقع للضربة، مما يضيف ملفاً حقوقياً شائكاً إلى طاولة المفاوضات المكتظة.
نيودلهي على خط الملاحة.. وأنقرة تفكك عقيدة الحرب
خارج الإطار المباشر للمواجهة، دخلت القوى الإقليمية على خط الأزمة؛ إذ أجرى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اتصالاً هاتفياً بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، شدد فيه على الأهمية الإستراتيجية لحرية الملاحة والتجارة في مضيق هرمز بالنسبة للهند والعالم، داعياً إلى حل الأزمات عبر الحوار والدبلوماسية، وذلك بالتزامن مع دعوة بزشكيان لمودي لحضور مراسم دفن المرشد الإيراني الراحل المقررة الأسبوع المقبل.
وفي سياق متصل، بدأت أنقرة ترتيب أوراقها الإستراتيجية للمرحلة المقبلة؛ حيث نشرت “أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية” دراسة موسعة تفكك العقيدة العسكرية للحرب المحتملة بين واشنطن وتل أبيب وطهران. وتركز الدراسة التركية على موازين القوى الجديدة، مبرزةً الدور العملياتي المتزايد للذكاء الاصطناعي، وحدود التفوق الجوي، وصعود الطائرات المسيّرة الانتحارية، في محاولة من أنقرة للاستعداد المبكر للتحولات الجيوسياسية والعسكرية التي تعيد رسم خارطة الإقليم.






