تتحرك الدبلوماسية الإيرانية في تعاملها مع الأزمات الدولية وفق إيقاع خاص يمزج بين الصبر الإستراتيجي والتلاعب النفسي بالخصوم، محولةً طاولات التفاوض من وسيلة لإنهاء النزاعات إلى امتداد لخطوط المواجهة والمناورة. وفي وقت تتشابك فيه ملفات المنطقة بين لغة الميدان وممرات الوساطة الدولية المعقدة، يعود تفكيك “الشفرة الجينية” للمفاوض الإيراني إلى واجهة القراءات السياسية، ليوضح كيف تنجح طهران تاريخياً في استنزاف أعصاب القوى الكبرى وتحويل عامل الزمن إلى سلاح حسم سياسي.
دموع شيرمان وعقدة مكعب روبيك.. كواليس استنزاف الأعصاب
تختزل مذكرات كبار الدبلوماسيين الغربيين طبيعة المباحثات مع الوفود الإيرانية باعتبارها تجربة “ليست لضعاف القلوب”. ولعل المشهد الأكثر دلالة على هذا الاستنزاف النفسي ما كشفته رئيسة وفد التفاوض الأمريكي السابقة، ويندي شيرمان، في مذكراتها حول الساعات الأخيرة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي عام 2015؛ فبعد سنتين من المباحثات المرهقة والاقتراب من خط النهاية، باغت نظيرُها الإيراني -وزير الخارجية الحالي- عباس عراقجي الطاولة بطلب إعادة فتح النقاش حول نقطة سيادية كانت قد حُسمت تماماً.
هذه المناورة اللحظية فجرت طاقة الصبر الأمريكية؛ حيث انهمرت دموع شيرمان انفعالاً من شدة اليأس والإحباط، قائلة بانفعال: “كفى.. تجاوزنا الموعد النهائي والكونغرس على وشك الدخول في عطلة، أنتم تخاطرون بكل ما عملنا من أجله”. هذا الانهيار الإنساني غير المألوف في ردهات السياسة جعل الإيرانيين يشعرون بجدية الخط الأحمر الأمريكي ليتوقفوا عند ذلك الحد، وعلق عليه عراقجي لاحقاً في كتابه “قوة التفاوض” بالقول: “كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مفاوضاً يبكي على الطاولة”.
وتشبه شيرمان التفاوض مع طهران بـ”مكعب روبيك”، حيث يؤدي تعديل وجه واحد أو بند صغير إلى إفساد ترتيب بقية الوجوه المتفق عليها، مما يفرض إعادة حساب كل شيء واستشارة الجميع من جديد، ضمن قاعدة إيرانية صارمة وثابتة: “لا يُعتبر أي جزء من الاتفاق منتهياً حتى يتم الانتهاء منه بالكامل”.

أسلوب البازار والازدواجية العقائدية.. بين إرث الإمبراطورية ومظلومية التاريخ
لطالما حظيت كفاءة الدبلوماسية الإيرانية بتقييمات استثنائية من الخصوم؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب لخصها بعبارته الشهيرة عام 2020: “إيران لم تكسب حرباً قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات”. كما أن عرّاب السياسة الخارجية الأمريكية، هنري كيسنجر، أهدى نسخة من كتابه الشهير “الدبلوماسية” إلى وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف ممهورة بعبارة تحمل الكثير من التقدير: “إلى عدوي المحترم”.
ورغم أن كيسنجر يربط في كتابه “النظام العالمي” السلوك الإيراني بالإرث الإمبراطوري الفارسي القديم وملوكها “شاهنشاه”، إلا أن التحليل الواقعي يثبت أن محرك التفاوض المعاصر لطهران يرتكز على ركيزتين أساسيتين تجاوزتا حدود الزهو التاريخي:
الوعي بالمظلومية التاريخية: والتحسس البالغ من التدخلات الأجنبية وعقود الإملاءات الخارجية خلال فترات ضعف الدولة، وهو الوعي الذي تبلور كعقيدة تفاوضية لإدارة الصراع من أجل البقاء بعد ثورة 1979، وظهر في أزمة رهائن السفارة الأمريكية التي استمرت 444 يوماً.
المرجعية الدينية والثنائية التاريخية: حيث تحرك السلوك الدبلوماسي استعارة عقائدية عميقة؛ فعند الصدام والمواجهة تُستحضر “روح الحسين” كرمز للتضحية والصمود في وجه “الاستكبار”، بينما تُستحضر “روح الحسن” عند الحاجة للمناورة السياسية، وتجرع كؤوس الصلح، وتمرير التفاهمات مع الخصوم.
يشرح عباس عراقجي في كتابه أن النهج الإيراني المعروف بـ”أسلوب البازار” أو “حائك السجاد” هو نمط يتطلب وقتاً طويلاً ومتابعة دقيقة، ويقوم على مبدأ أساسي: “المبدأ الأساسي في المساومة هو التكرار ثم التكرار، يليه العناد والثبات على الهدف مع تغيير الأسلوب حتى يتحقق المطلوب”. الأمر الذي شبهه وزير الخارجية البريطاني الأسبق، جاك سترو، بطريقة “بائع سيارة” يتفاوض معك شهراً كاملاً على السعر، وعند الاستلام تجدها فجأة بلا إطارات، ليرد بأنك لم تطلب الإطارات في العقد الأساسي، لتبدأ جولة تفاوضية جديدة على كل قطعة.
وتعتمد طهران في استراتيجيتها الشاملة على تكتيكات موازية تشمل:
إغراق الخصم في التفاصيل: والتدقيق اللغوي في كل مفردة ونقاش معناها، مع إمكانية الانصراف المفاجئ قبل التوقيع لزعزعة استقرار الخصم.
التصعيد الميداني المتزامن: رفع وتيرة الضغط العسكري أو الهجمات الميدانية كلما اقتربت المفاوضات من نهايتها لحث الطرف الآخر على تقديم تنازلات سريعة بفعل ضيق الوقت.
توظيف المزايدات الداخلية: استخدام الانتقادات الحادة من التيارات المتشددة في طهران كورقة ضغط على الطاولة؛ حيث يطلب المفاوض الإيراني من خصمه منحه مكاسب إضافية ليواجه بها “المعارضين في الداخل”، وبذلك يتحول الضغط الداخلي وتناقض مواكز القرار (كالحرس الثوري مقابل الرئاسة) من عبء سياسي إلى أداة مناورة مدروسة لاختبار ردود الفعل.
الصبر الإستراتيجي.. عندما يتحول الوقت إلى سلاح
في مدرسة التفاوض الإيرانية، لا يُعد الوقت مجرد إطار زمني للمباحثات، بل هو أداة ضغط ميكانيكية بحد ذاته؛ فالطرف الذي يملك قدرة أعلى على الانتظار يملك فرصة أفضل لتغيير الظروف السياسية. تراهن طهران على “الصبر الإستراتيجي” لامتصاص الضغوط وتأجيل المواجهات المباشرة بانتظار استحقاقات انتخابية أو تغيرات حكومية لدى خصومها، مستغلةً “فرق السرعات الذهنية”؛ فالمفاوض الغربي محكوم بمدد سياسية ضيقة وثقيلة بالمسؤوليات الدولية، بينما يملك المفاوض الإيراني رفاهية التجهّز للبقاء في عواصم التفاوض لأسابيع متواصلة دون عجلة.
وتظل فيينا الشاهد التاريخي الأبرز على هذا الفارق الجغرافي والزمني، حيث سجلت المحادثات النووية أطول مدة يقضيها وزير خارجية أمريكي في مكان واحد خارج بلاده منذ عقود؛ إذ اضطر جون كيري للبقاء 18 يوماً متواصلة في العاصمة النمساوية لضمان حسم الاتفاق، وهو الرقم الأكبر منذ جولات هنري كيسنجر المكوكية في الشرق الأوسط عام 1974 والتي استمرت 34 يوماً تنقل خلالها بين عدة عواصم، مما يثبت أن حياكة التفاهمات مع طهران تشبه تماماً غزل السجاد الفارسي: غرزة تلو الأخرى، ببطء شديد، وبأعصاب من فولاذ.






