في وقت لا تزال فيه منطقة الشرق الأوسط تعيش على وقع واحدة من أكثر المراحل اضطراباً منذ سنوات، برزت خلال الساعات الأخيرة تسريبات عن مشروع اتفاق جرى التفاوض بشأنه بين الولايات المتحدة وإيران برعاية باكستانية، في خطوة قد تشكل أول محاولة جدية لوضع إطار سياسي ينهي المواجهة التي اندلعت أواخر فبراير الماضي.
ورغم نفي طهران وجود اتفاق نهائي، فإن تعدد التسريبات الصادرة عن مصادر دبلوماسية وإعلامية غربية وإقليمية يشير إلى أن الطرفين وصلا إلى مرحلة متقدمة من التفاهمات، وأن الخلافات المتبقية باتت تدور حول الصياغات وآليات التنفيذ أكثر مما تدور حول المبادئ الأساسية.
لماذا اختارت واشنطن وطهران “مذكرة تفاهم” بدلاً من اتفاق شامل؟
بحسب المعلومات المتداولة، فإن الوثيقة المنتظرة لن تكون معاهدة نهائية أو اتفاقاً ملزماً بكل تفاصيله، بل ستأخذ شكل “مذكرة تفاهم” تحمل اسم “إعلان إسلام آباد”.
هذا الخيار ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس إدراك الطرفين لصعوبة تسوية جميع الملفات دفعة واحدة. فواشنطن لا ترغب في تقديم تنازلات واسعة قبل الحصول على ضمانات أمنية واضحة، بينما تسعى طهران إلى تثبيت مكاسبها السياسية والاستراتيجية قبل الدخول في مفاوضات أكثر تفصيلاً.
وبذلك يصبح الإعلان بمثابة إطار سياسي عام يحدد الاتجاه المستقبلي للعلاقة بين الطرفين، ويؤسس لمرحلة تفاوضية جديدة بدلاً من إنهاء كافة الخلافات دفعة واحدة.
مضيق هرمز: الممر البحري الذي يقف في قلب المفاوضات
من بين الملفات الأكثر حساسية في المشروع المطروح، يبرز ملف مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أسباب القلق الدولي خلال الأشهر الماضية.
فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية تحول إلى نقطة اشتباك غير مباشر بين إيران والولايات المتحدة، وأصبح أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلاً بإرباك أسواق الطاقة العالمية.
وتشير التسريبات إلى أن أحد البنود الرئيسية للتفاهم المحتمل يتعلق بضمان حرية الملاحة وعدم استهداف السفن التجارية أو البنية التحتية النفطية، مقابل التزامات أمنية وسياسية متبادلة بين الجانبين.
البرنامج النووي: العودة إلى سياسة الاحتواء
الملف النووي الإيراني يبدو حاضراً بقوة في المفاوضات، وإن كان بصيغة مختلفة عن الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015.
فواشنطن تدرك أن العودة الكاملة إلى الاتفاق السابق أصبحت شبه مستحيلة بعد سنوات من التصعيد وانهيار الثقة بين الطرفين، لذلك تتجه المباحثات نحو صيغة أكثر واقعية تقوم على تجميد بعض الأنشطة الحساسة وفرض آليات رقابة محددة، مقابل تخفيف جزئي للضغوط والعقوبات.
وبالنسبة لإيران، فإن الهدف الأساسي لا يتمثل فقط في الملف النووي ذاته، بل في الحصول على اعتراف ضمني بدورها الإقليمي وحقها في الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية.
لبنان وساحات النفوذ الإقليمي
لا يقتصر الاتفاق المحتمل على الملفات الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يمتد إلى عدد من ساحات التوتر الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان.
فالحرب الأخيرة أظهرت أن أي تفاهم مستقبلي لا يمكن أن يتجاهل دور الفاعلين الإقليميين المرتبطين بإيران، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن.
وتشير بعض التسريبات إلى وجود نقاشات حول ترتيبات أمنية غير مباشرة تهدف إلى خفض مستوى التصعيد في هذه الساحات، ومنع تحولها مجدداً إلى نقاط اشتعال تهدد استقرار المنطقة.
ما الذي يريده ترامب من الاتفاق؟
بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن التوصل إلى تفاهم مع إيران لا يتعلق فقط بإنهاء الحرب الحالية، بل أيضاً بتقديم إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً.
فالإدارة الأميركية تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية المفتوحة يحمل مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة، خصوصاً في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية وحالة الإرهاق التي أصابت العديد من الحلفاء الإقليميين.
ومن هنا تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع عبر التفاهمات السياسية بدلاً من الاستمرار في المواجهة المباشرة.
هل نحن أمام نهاية الحرب فعلاً؟
السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق سيوقع أم لا، بل بما إذا كان قادراً على الصمود بعد توقيعه.
فالتجارب السابقة بين الولايات المتحدة وإيران أظهرت أن الاتفاقات غالباً ما تكون أكثر هشاشة مما تبدو عليه لحظة إعلانها. كما أن تعدد الأطراف المتأثرة بالصراع يجعل أي تفاهم ثنائي عرضة للاهتزاز عند أول أزمة إقليمية جديدة.
ومع ذلك، فإن مجرد انتقال الطرفين من منطق المواجهة العسكرية إلى منطق التفاوض يمثل تحولاً مهماً في مسار الأزمة. فحتى لو لم ينهِ “إعلان إسلام آباد” جميع أسباب الصراع، فإنه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة التنافس بدلاً من الانزلاق إلى حرب أوسع يصعب احتواء تداعياتها.






