اعتبر كل من جيفري سوننفيلد وستيفن هنريكس وتيموفي ميلوفانوف أن الوقت قد حان لكشف ما وصفوه بـ«زيف التهديدات» التي يطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مستشهدين بعبارة لهنري كيسنجر مفادها أن «التهديد الجاد يكون أكثر فاعلية من التهديد الخطير حين يُنظر إليه على أنه مجرد تهديد».
وقال الكتّاب إن رد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإعلان المرتقب لمقترح السلام الروسي–الأوكراني، الذي تقوده بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا، يعكس اتساع الهوة بين طرفي النزاع، في ظل استمرار الخلافات حول قضايا أساسية، أبرزها التنازل عن الأراضي، ومستقبل منطقة دونباس، والضمانات الأمنية، وحدود الاستقلال العسكري الأوكراني.
وأضافوا أن هذا الجمود لم يكن مفاجئًا، مشيرين إلى أن بوتين امتنع عن إعلان موقف واضح من خطة السلام الأميركية المؤلفة من 28 بندًا، رغم أنها استندت إلى وثائق ومطالب روسية، وذلك عقب مفاوضات مطوّلة استمرت خمس ساعات مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ولفتوا إلى أن مسؤولين أجانب يرون أن الخطة الأميركية منحازة بشكل كبير لمصلحة موسكو، ما يجعل قبولها من جانب كييف أو العواصم الأوروبية أمرًا مستبعدًا.
وتابع الكتّاب أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن بوتين لا يكتفي بما وصفوه بـ«نقطة البداية السخية» التي وضعتها إدارة ترامب، في حين يبدي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعدادًا لتقديم تنازلات ضمن مفاوضات جدية، معتبرين أن حصول أوكرانيا على مقعد فاعل على طاولة التفاوض يُعد بحد ذاته خطوة أولى ضرورية.
ويرى سوننفيلد وهنريكس وميلوفانوف أن تصور ترامب لروسيا كقوة «أقوى بكثير» من أوكرانيا لا يستند إلى معطيات واقعية، مشيرين إلى أن الجزء الأكبر من الأراضي الروسية غير صالح للسكن، وأن الاقتصاد الروسي يواجه ضغوطًا هيكلية متزايدة، بينما تعتمد القوة العسكرية الروسية على موارد آخذة في التآكل، مقارنة بأوكرانيا المدعومة من حلفائها.
وأوضح الكتّاب أن المساحة الجغرافية الشاسعة لروسيا كثيرًا ما تُستخدم لتضخيم قوتها، إذ إن أكثر من أربعة ملايين ميل مربع من أراضيها غير قابلة للسكن بسبب التربة الصقيعية، ما يجعل المساحة الفعلية الصالحة للعيش أصغر بكثير مما يُتصوَّر عادة.
وأضافوا أن القوة الاقتصادية الروسية مبالغ في تقديرها كذلك، لافتين إلى أن الاقتصاد الروسي، حتى في ذروته عام 2013، لم يتجاوز 15% من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وأنه يعتمد بشكل مفرط على صادرات النفط والغاز والمواد الخام، من دون قاعدة صناعية أو تكنولوجية قادرة على دعم نمو مستدام.
وتابعوا أن روسيا لا تمتلك «أوراقًا رابحة» كما يعتقد ترامب، معتبرين أن أسلوب التفاوض الروسي القائم على المماطلة والتشويش واستنزاف الوقت مكّن موسكو من تحسين موقعها، في ظل ما وصفوه باستجابة أميركية متساهلة أربكت حتى بعض الدوائر داخل البيت الأبيض.
وأشار الكتّاب إلى أن الأداء الاقتصادي الروسي يعكس ما وصفوه بـ«وهم النمو»، موضحين أن توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 لا تتجاوز 0.6 إلى 0.9%، مع تراجع التقديرات طويلة الأجل بشكل حاد، وأن هذا النمو الظاهري يخفي توجيه الإنتاج نحو سلع منخفضة القيمة الإنتاجية تخدم المجهود الحربي ولا تعزز الرفاه أو الاستثمار طويل الأمد.
وأضافوا أن خروج أكثر من ألف شركة أجنبية كبرى من السوق الروسية، إلى جانب العقوبات الغربية التي قيّدت الوصول إلى الأسواق المالية وجمّدت الأصول، أسهم في تآكل القدرة الإنتاجية للاقتصاد الروسي، ولم يترك له سوى تصدير المواد الخام بشروط أصعب.
وفي الشق المالي، قال الكتّاب إن العجز في الميزانية الروسية تضاعف بشكل لافت، وإن الإنفاق الدفاعي بلغ مستويات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة، ليشكّل نحو 40% من إجمالي الإنفاق الحكومي عند احتساب نفقات الأمن الداخلي، ما يجعل هذا النموذج الاقتصادي غير قابل للاستمرار.
وتابعوا أن استنزاف صندوق الثروة الوطنية، إلى جانب القيود الصارمة على حركة رؤوس الأموال ورفع أسعار الفائدة لدعم الروبل، يعكس هشاشة الوضع المالي أكثر مما يدل على قوة اقتصادية حقيقية، محذرين من أن تراجع عائدات الطاقة – التي تشكل العمود الفقري لإيرادات الدولة – يضع موسكو أمام خيارات محدودة.
ويرى الكتّاب أن روسيا باتت عالقة في «فخ اقتصاد الحرب»، إذ يعتمد اقتصادها على استمرار النزاع، في حين يؤدي هذا الاعتماد نفسه إلى استنزاف رأس المال البشري وتقلص القوة العاملة، نتيجة التعبئة والهجرة، ولا سيما بين الشباب والكوادر المؤهلة.
واختتم سوننفيلد وهنريكس وميلوفانوف تحليلهم بالتأكيد على أن الصورة التي تحاول موسكو تسويقها عن قوتها الشاملة لا تعكس واقعًا اقتصاديًا أو ديموغرافيًا مستدامًا، معتبرين أن إدراك هذا الخلل يمثل شرطًا أساسيًا لإعادة ضبط مقاربة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، في التعامل مع الحرب ومسار التفاوض.






