تحوّل “نقش سلوان”، اللوح الحجري المكتشف في القرن التاسع عشر، إلى محور جدل يتجاوز قيمته الأثرية إلى ساحة الصراع السياسي والهوياتي. تصريحات بنيامين نتنياهو التي زعم فيها أن تركيا حالت دون تسليم النقش للاحتلال الإسرائيلي ليست مجرد محاولة لإعادة كتابة التاريخ، بل انعكاس لسياسة ممنهجة تهدف إلى تحويل الآثار إلى أدوات دعائية لتبرير الاستيطان وشرعنة السيطرة على القدس.
دلالات تاريخية متنازع عليها
النقش يوثق عملية حفر نفق مائي لتأمين إمدادات المياه للقدس قبل نحو 2700 عام. غير أن القراءة الأثرية الموضوعية، كما يشير باحثون مختصون، تؤكد أن النص مكتوب بلغة كنعانية-فينيقية ويعكس نفوذًا مصريًا في تلك الحقبة، لا علاقة له بالملكية اليهودية كما يروّج الاحتلال. هذا التباين في التفسير التاريخي ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل صراع حول شرعية السردية نفسها: هل القدس مدينة كنعانية-مصرية الجذور، أم مركز سيادة يهودية أبدية كما تدّعي إسرائيل؟
تركيا بين السيادة والحماية القانونية
الموقف التركي الرافض لتسليم النقش مبني على قاعدة قانونية واضحة: اللوح اكتُشف في ظل الإدارة العثمانية ونُقل قانونيًا إلى إسطنبول، حيث أُدرج في متحف الآثار العثماني (متحف إسطنبول الحالي). وفقًا لقواعد التراث الثقافي الدولي، يعد النقش جزءًا من التراث الذي لا يجوز نقله إلى “قوة احتلال” أو طرف ثالث. ولذا، فإن رفض تركيا لا يُقرأ كعناد سياسي شخصي من أردوغان أو غيره، بل كحماية للسيادة الثقافية وامتثال لمبادئ القانون الدولي.
القانون الدولي والشرعية الثقافية
اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن منع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة تنص بوضوح على منع نقل أو مطالبة دولة أخرى بآثار تم الحصول عليها شرعيًا قبل الاحتلال. كما أن اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح تحظر على قوة الاحتلال الاستيلاء على التراث الثقافي أو نقله. في هذا السياق، أي مطالبة إسرائيلية بنقل “نقش سلوان” تُعد مخالفة لهذه الاتفاقيات، وتُظهر كيف تحاول إسرائيل الالتفاف على الشرعية الدولية عبر التوظيف السياسي للأثر.
استراتيجية التحريف الرمزي
خطاب نتنياهو حول “نقش سلوان” ليس معزولًا عن ممارسات إسرائيلية أوسع، مثل إطلاق تسميات توراتية على الأحياء، وحفر الأنفاق في محيط المسجد الأقصى، وتحويل المواقع الأثرية إلى بؤر استيطانية. هذه الاستراتيجية تستند إلى ما يمكن تسميته بـ”التحريف الرمزي”: أي إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية عبر توظيف الرموز والآثار لإضفاء طابع تاريخي زائف على الحاضر السياسي.
جدلية النقش والهوية الفلسطينية
القضية تطرح سؤالًا أبعد من قطعة أثرية: من يملك حق رواية تاريخ القدس؟ الفلسطينيون يرون النقش امتدادًا لهويتهم الكنعانية-العربية، بينما يسعى الاحتلال لاقتطاعه كدليل على “السيادة الأبدية”. وبينما تصر تركيا على حمايته بوصفه جزءًا من التراث العثماني والإنساني، يبقى النقش رمزًا لصراع أوسع على الذاكرة والتاريخ، وهو صراع لا يقل حدة عن المعركة العسكرية أو الدبلوماسية.
بين الأثر والقانون والسياسة
يكشف النزاع حول “نقش سلوان” أن المعركة على القدس ليست فقط معركة على الأرض أو السكان، بل معركة على الذاكرة والرواية التاريخية. إسرائيل تحاول الاستحواذ على أدوات رمزية لتثبيت وجودها، لكن القانون الدولي يقف حائلًا أمام محاولاتها، وتركيا تعكس هذا الموقف برفضها التنازل عن اللوح. في النهاية، يظل النقش شاهدًا حيًا على أن التاريخ ليس ملكًا لطرف واحد، وأن محاولات تسييس التراث قد تنجح مؤقتًا في الدعاية، لكنها تصطدم دائمًا بصلابة الحقائق العلمية والشرعية القانونية الدولية.







