حذّرت الحكومة الفلسطينية من تداعيات الأزمة المالية المتفاقمة التي تعيشها السلطة جراء استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، مؤكدة أن هذا الوضع بات يهدد قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والأمن. وجاء التحذير في ختام الجلسة الأسبوعية للحكومة التي عُقدت في رام الله، حيث شدد رئيس الوزراء محمد مصطفى على ضرورة تكثيف الضغط الدولي للإفراج عن هذه الأموال، باعتبارها المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة.
أموال المقاصة.. شريان الاقتصاد الفلسطيني
تُعد أموال المقاصة ركيزة أساسية لمالية السلطة، إذ تشكّل نحو ثلثي إجمالي دخلها، بحسب تقرير للبنك الدولي صدر في فبراير/شباط 2024. وهذه الأموال هي عبارة عن عائدات الضرائب المفروضة على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية، سواء من إسرائيل أو عبر المعابر التي تسيطر عليها تل أبيب، حيث تقوم الأخيرة بتحصيلها نيابة عن السلطة.
لكن منذ عام 2019، شرعت إسرائيل في اقتطاع مبالغ ضخمة من هذه العائدات بذريعة استخدامها في “تمويل الإرهاب”، وقد وصل مجموع المبالغ المحتجزة إلى نحو 2.7 مليار دولار، ما تسبب في أزمات مالية متكررة للسلطة جعلتها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها دفع رواتب الموظفين.
رواتب متقطعة وضغوط معيشية
الأزمة انعكست مباشرة على حياة مئات آلاف الأسر الفلسطينية. فآخر دفعة رواتب صُرفت لموظفي السلطة كانت في 29 يوليو/تموز الماضي عن شهر مايو/أيار، بنسبة 60 بالمئة فقط، بعد توقف استمر ثلاثة أشهر كاملة. وتقدَّر فاتورة الأجور الشهرية للسلطة بحوالي مليار شيكل (298 مليون دولار)، يستفيد منها أكثر من 245 ألف شخص، بينهم موظفون مدنيون وعسكريون ومتقاعدون ومستفيدون من المخصصات الاجتماعية.
وللمرة الثالثة على التوالي، يصرّ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على حجب كامل أموال المقاصة، ما وضع الحكومة الفلسطينية في موقف مالي حرج، دفعها للبحث عن موارد بديلة وتبني إجراءات للتخفيف عن الموظفين، مع وعد بمواصلة تقديم الخدمات الأساسية رغم الضغوط المتزايدة.
تصعيد إسرائيلي يستهدف البنية المالية
الأزمة المالية لم تقتصر على حجز الأموال فحسب، بل تزامنت مع تصعيد إسرائيلي ميداني استهدف القطاع المالي الفلسطيني مباشرة. فقد نفذت القوات الإسرائيلية عملية مداهمة في وسط مدينة رام الله، استهدفت محل صرافة، وأطلقت خلالها النار ما أدى إلى إصابة 27 شخصاً، وفق الهلال الأحمر الفلسطيني.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن العملية جاءت بدعوى “منع تحويل أموال إرهابية إلى عناصر حماس”، مشيراً إلى اعتقال خمسة أشخاص ومصادرة مئات آلاف الشواقل. وقد شوهد جنود إسرائيليون ينقلون خزائن من داخل محل “شركة العجولي للصرافة” بعد أن علّقوا على بابه ملصقاً يصفه بأنه “شركة غير قانونية”.
مشهد ميداني متوتر
المداهمة التي جرت في منطقة دوار المنارة، أحد أبرز ميادين رام الله والمحاذي لسوق الخضار الشعبي، ترافقت مع انتشار كثيف للقوات الإسرائيلية، حيث تمركز الجنود في الشوارع وعلى أسطح المباني المطلة على الساحة. وفي المقابل، اندلعت مواجهات محدودة، ألقى خلالها شبان فلسطينيون الحجارة باتجاه الجنود.
هذا المشهد يعكس اتساع دائرة الضغوط التي تمارسها إسرائيل على السلطة الفلسطينية، سواء عبر خنقها مالياً باحتجاز أموال المقاصة، أو عبر استهداف البنية المالية الفلسطينية ميدانياً، ما يضاعف من تعقيد الأزمة التي تمر بها مؤسسات السلطة ويهدد بتداعيات أعمق على المجتمع الفلسطيني ككل.






