تتحرك ألمانيا مع مجموعة من الدول الأوروبية نحو مرحلة جديدة في إدارة ملف الهجرة، تقوم على تسريع إعادة طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم والأشخاص الذين لا يملكون حقاً قانونياً في البقاء، بالتوازي مع بحث إنشاء مراكز للعودة خارج أراضي الاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا التحرك رغم التراجع الملحوظ في أعداد محاولات العبور غير النظامي إلى أوروبا خلال عام 2026. ووفق بيانات وكالة فرونتكس، انخفضت عمليات رصد العبور غير النظامي على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 35% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، فيما سجل مسار وسط المتوسط وحده تراجعاً بنسبة 55%.
برلين تبحث عن آلية أسرع لتنفيذ قرارات الترحيل
وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت يدفع باتجاه تطوير ما يُعرف بـ«مراكز العودة» أو Return Hubs، بالتعاون مع النمسا والدنمارك واليونان وهولندا.
وتبحث الدول الخمس إمكانية إقامة هذه المراكز في دول خارج الاتحاد الأوروبي، بحيث يمكن نقل الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات نهائية بالعودة إليها، تمهيداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول أخرى توافق على استقبالهم.
وتعمل المجموعة الأوروبية على التوصل إلى ترتيبات مع دولة ثالثة مضيفة قبل نهاية العام، فيما لم يتم الإعلان حتى الآن عن الدولة التي يمكن أن تستضيف هذه المراكز.
وكانت ألمانيا وهولندا قد أعلنتا في وقت سابق من العام تعزيز تعاونهما في هذا المجال، ضمن مجموعة الدول الخمس التي تتولى استكشاف آليات جديدة لتنفيذ قرارات العودة.
المشروع لا يعني بدء عمليات ترحيل جماعية
ورغم استخدام تعبير «مراكز الترحيل»، فإن المشروع لا يعني أن ألمانيا بدأت فعلياً نقل المهاجرين إلى مواقع خارج الاتحاد الأوروبي.
فالخطة لا تزال في مرحلة التفاوض والتنسيق القانوني والدبلوماسي، وتحتاج إلى اتفاقات مع دول ثالثة تحدد طبيعة المراكز، والجهات التي ستديرها، والفئات التي يمكن نقلها إليها، والضمانات القانونية المطبقة على الأشخاص الموجودين فيها.
كما أن أي ترتيبات من هذا النوع تواجه أسئلة تتعلق بالقانون الدولي وحقوق طالبي اللجوء. وقد دعا مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا الدول الخمس إلى وضع ضمانات صارمة لحقوق الإنسان قبل تنفيذ أي مشروع من هذا النوع، بما في ذلك إجراء تقييم شامل للمخاطر القانونية والإنسانية.
لماذا تتجه أوروبا إلى «مراكز العودة» رغم انخفاض الهجرة؟
الأرقام الأوروبية تقدم صورة أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع أو انخفاض أعداد المهاجرين.
فخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، تراجعت عمليات رصد العبور غير النظامي إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 37% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، إلى نحو 61 ألف حالة. لكن الانخفاض لم يكن متساوياً بين جميع طرق الهجرة.
وكان مسار وسط البحر المتوسط من أبرز المسارات التي شهدت تراجعاً، بنسبة 55% خلال الفترة نفسها، في حين سجل مسار غرب المتوسط ارتفاعاً بنحو 37% وفق بيانات فرونتكس الأولية، وكان هذا المسار الرئيسي الوحيد الذي سجل زيادة في تلك الفترة.
وبالتالي، لا تعني الأرقام أن ظاهرة الهجرة غير النظامية اختفت، وإنما تشير إلى تغير في حجم التدفقات وتوزيعها بين الطرق المختلفة.
السوريون.. ملف مختلف داخل السياسة الألمانية
ويكتسب النقاش حول العودة أهمية خاصة بالنسبة إلى السوريين، نظراً إلى وجود جالية سورية كبيرة في ألمانيا وتباين أوضاعها القانونية بين شخص وآخر.
وتشير البيانات الرسمية الألمانية إلى أن السوريين كانوا مرة أخرى أكبر مجموعة من حيث عدد الحاصلين على الجنسية الألمانية في عام 2025. فقد حصل نحو 65,600 شخص كانوا يحملون الجنسية السورية سابقاً على الجنسية الألمانية، أي ما يعادل نحو 20% من إجمالي عمليات التجنيس خلال العام. ومع ذلك، انخفض عدد حالات تجنيس السوريين بنسبة 21% مقارنة بعام 2024.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تظهر أن النقاش الألماني حول الهجرة لا يتعلق بمجموعة واحدة ذات وضع قانوني موحد، بل بفئات مختلفة تماماً من حيث الإقامة والحماية والاندماج.
بين الترحيل والاندماج
السياسة التي تتبلور في برلين تميز عملياً بين الأشخاص الذين انتهت حقوق إقامتهم ولا يملكون أساساً قانونياً للبقاء، وبين أشخاص آخرين يتمتعون بوضع قانوني مستقر أو انتقلوا إلى مسارات إقامة طويلة الأمد والاندماج.
ولهذا فإن الحديث عن «عودة السوريين» أو غيرهم من الجنسيات بصورة عامة لا يعكس الواقع القانوني لكل فرد.
وتظل مسألة الترحيل مرتبطة، في كل حالة، بوضع الشخص القانوني، ونوع الحماية التي يتمتع بها، ووجود قرار نهائي بالعودة، إضافة إلى القيود التي قد يفرضها القانون الألماني أو الأوروبي على إعادة الأشخاص إلى بلدان قد يواجهون فيها مخاطر معينة.
أوروبا تشدد القواعد.. لكن المسارات تتغير
يأتي مشروع مراكز العودة في إطار تحول أوسع في سياسة الهجرة الأوروبية، بالتزامن مع دخول قواعد جديدة ضمن ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق وتعزيز إجراءات الفحص على الحدود الخارجية. وتشير فرونتكس إلى أن الانخفاض في أعداد العبور يرتبط بعدة عوامل، من بينها التعاون مع دول الانطلاق والإجراءات الوقائية التي قللت عدد القوارب التي تغادر باتجاه أوروبا.
لكن الانخفاض لا يعني بالضرورة نهاية الضغوط السياسية المتعلقة بالهجرة. فالدول الأوروبية لا تزال تواجه صعوبة في تنفيذ قرارات العودة، وهو ما يجعل فكرة نقل بعض الإجراءات إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي جذابة بالنسبة إلى الحكومات التي تبحث عن وسائل أسرع لتنفيذ تلك القرارات.
الاختبار الحقيقي سيكون خارج أوروبا
المعضلة الأساسية أمام مشروع «مراكز العودة» ليست فقط في إنشاء منشآت لاستقبال المهاجرين، وإنما في العثور على دول ثالثة مستعدة لاستضافتها وقبول الأشخاص الذين ستنقلهم الدول الأوروبية إليها.
ولهذا تجري الدول الخمس اتصالات مع شركاء محتملين خارج الاتحاد الأوروبي، فيما لا تزال تفاصيل الدولة أو الدول المضيفة غير معلنة. وقد قالت الحكومة الهولندية إن المجموعة الأوروبية تسعى إلى تحقيق خطوات ملموسة خلال العام الجاري، بما في ذلك تحركات دبلوماسية مشتركة مع الدول المحتملة للاستضافة.
وبينما تتراجع أرقام العبور غير النظامي على مستوى الاتحاد الأوروبي، يبدو أن المعركة السياسية داخل أوروبا انتقلت تدريجياً من سؤال «كم شخصاً يصل؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «ماذا تفعل الحكومات عندما يصل شخص وتُرفض حمايته أو تنتهي إقامته؟»
وهنا تحديداً ستختبر «مراكز العودة» قدرتها على الجمع بين سرعة تنفيذ قرارات الإعادة، والالتزامات القانونية التي تفرضها أوروبا على التعامل مع طالبي اللجوء والمهاجرين.






